كيف تحرر روايتك فى 13 خطوة؟

مهنة” المحرر الأدبي” ليست معروفة في الوطن العربي مثل مثيلتها في الغرب. صحيح أن بعض دور النشر تقول إن لديها بعض المحررين، أو أن يكون صاحب الدار نفسه محررًا، لكن نظرة متأنية على الأخطاء الكثيرة الموجودة بالمنشورات قد تجعلك تتوجس من أن حتى مفهوم” المحرر الأدبي” ليس واضحًا جدًا كما يبدو.

ثمة محرر أدبي أسطورة يُدعي” ماكس بيركنز“، كان يقول بأن مهنته هي توصيل الكتب الجيدة للقرّاء. حسنًا، هذه هي مهمة المحرر بالضبط.

قد تسألني بفضول:

“من هو المحرر الأدبي أصلًا؟”

المحرر الأدبي هو الشخص الذي يقوم بصقل الكتاب، والعمل على إضافة ما يجب إضافته، وحذف ما يجب حذفه من وجهة نظره، بحيث يغدو النص أكثر قوة ومتانة وجاذبية. الحقيقة أن القاريء يُدرك مشاكل النصّ قبل غيره، وخصوصًا المتمرسين منهم؛ فتجد قارئًا يخبرك بضيق أن النصّ ممل، أو غير جذّاب.

 آخر يخبرك بأن الحوار طويل جدًا، أو قصير جدًا، أو غير مُعبّر. قاريء ثالث يعلن ضجره من كثرة الشخصيات التى تجعله يضيع وسط الصفحات، وهو ما يجعله يضيق بهذا، وربما يغلق الكتاب في منتصفه.

الحقيقة أن كل محرر أدبي لابد أن يكون قارئًا، ولابد أن يكون ذوّاقة، بحيث يُدرك مواطن الخلل فيما يقرأه، ولابد أن يكون نشيطًا، بحيث يقرأ العمل أكثر من مرة، ويشرع فى صقل النصّ وتشذيبه، بلاغيًا، ولغويًا، وإملائيًا.

لكن “المحرر الأدبي” ليس هذا فقط؛ إذ أن دوره يتجاوز هذا بكثير. قد يكون هناك أحد الكُتَّاب فى حيرةٍ من أمره، يبحث عن فكرةٍ لكتابة الجديد، وهنا يُهرع المحرر إليه بالعديد من الاقتراحات التى تصنع عصفًا ذهنيًا، وتنشّط ملكة الخيال لديه.

 قد تكون الفكرة موجودة، لكن تنقصها الحبكة؛ فيقترح المحرر بعض الأمور، قد تكون الحبكة موجودة، لكن تتبقي بعض المعوقات؛ كالبداية، أو النهاية.

 المحرر الأدبي هو الجندي المجهول وراء خروج العمل، يقف بجوار الكاتب، ويعينه، ويساعده، ويشدُّ من أزره. يمكنك معرفة الكثير عنه من خلال هذه المقالات:1، 2، 3

للأسف-كما أسلفتُ-مهنة المحرر الأدبي غير موجودة فى الوطن العربي بشكل كبير؛ لأسباب عديدة، منها ما هو متعلق بقناعات بعض الكتّاب، أنه لا يجوز لأحدٍ أن يقرأ نصه، ويُعدّل فيه، برغم أن هذا يصبُّ فى مصلحة الكاتب أولًا، ومصلحة القاريء ثانيًا.

 فى الغرب يُكتب اسم المحرر، ويحوز على احترام هائل، بين أوساط النشر والأدب.

بعد هذه المقدمة-التي أرجو ألا تكون قد طالت-يمكن أن ندخل فى صلب الموضوع مباشرة.

قد تكون روائيًا، أو قاصًّا، وقد انتهيتَ من عملك الإبداعي، أو فى طريقك للانتهاء منه، ولستَ تملك من المال ما يجعلك تستعين بمحرر أدبي؛ فيمكنك إذن أن تخلع قبعة المبدع، وترتدي قبعة المحرر، وتشرع في تنقيح كتابك، والعمل على تحريره بشكل مكتمل.

 الموضوع ليس بهذه السهولة طبعًا، ويستدعي منك أن تكون صبورًا، وصاحب نفس طويل، حتى تنتهي من هذه العملية.

لن أتحدث عن التحرير فى كل أنواع الكتابة، لكن سأتكلم هنا عن تحرير الرواية فقط، بما أنه تخصص عملى كمحرر أدبي.

 لاحظ هنا أن مهنة” التحرير الأدبي” مهنة مرنة لأقصى حد، وكل نصّ له ظروفه الخاصة، وما يتطلبه من تغييرات. لكنى هنا سأتحدث عن خطوات عامة، وعليك أن تكون منفتحًا لعمل تغييرات، بما يكفل لنصَّك القوة والمتانة والبهاء.

فلنبدأ.

الخطوة الأولى

اقرأ افتتاحية روايتك جيدًا. ضع نفسك مكان القاريء. هل تجدها مشوقة وجذابة، هل تستثير خيالك، وتجعلك تفكر فيما هو آت؟

 لو وجدت المقدمة خاملة، غير مشجعة على إكمال القراءة؛ فهو ناقوس خطر إذن، يدقُّ فى رأسك محذرًا، ومن ثمَّ عليك أن تقوم ببعض التغييرات.

 هل يمكن أن تضيف مشهدًا افتتاحيًا مثيرًا، يبدأ بحدث صادم، مروّع، وغامض، ثم ينتهي بالأحداث التي تؤدي للمقدمة الخاملة؟

لو استطعتَ فعلها فأنت عظيم، لو لم تستطع فيمكنك أن تقتطع من نسيج الرواية مشهدًا يؤدي نفس الغرض، وتضعه فى المقدمة.

لا تنس: أن مقدمة جذّابة وسريعة، ولاهثة، ومليئة بالغموض، قد تقفز بأسهم روايتك لعنان السماء.

الخطوة الثانية

اقرأ روايتك بصوت عالٍ. الغرض من هذا أن تعرف إن كانت هناك بعض الجمل غير المستساغة، التى لا تحبها الأذن. ستجد أن هناك جمل بلاغية غير محببة، تناقضات، ربما تعبيرات غير مألوفة. قراءة النصّ ستمنحك القدرة على ضبط الإيقاع بشكل جيد. قم بتصحيح هذه الجمل بما يناسبها.

لا تنس: قراءة النصّ قد تفتح لك أفاقًا في استكشاف نصّك بشكل إيجابي.

الخطوة الثالثة

عندما تنظر فى روايتك بعين المحرر قد تجد أن ثمة شخصيات متكررة فى طباعها، باختلاف الأسماء.

 حسنًا، قم بحذفها فورًا.

 ولكي تتجنب الخلط الذي يمكن أن يحدث فى سرد الأحداث؛ فيمكنك أن تدمج بعض الشخصيات فى بعضها البعض. يفعلون هذا في الأفلام والمسلسلات؛ لتجنب التكلفة، لكن على الورق عليك أن تحافظ على تركيز القاريء، وعلى وقته؛ فلا تشتته بشخصيات كثيرة سرطانية، تصيبه بالدوار، وتجعله يضيق بما كتبته.

لا تنس: شخصيات قليلة، متباينة الصفات، تؤدي تأثيرًا أفضل من شخصيات عائمة، متكررة بطول الصفحات.

الخطوة الرابعة

أنت-ككاتب-تملك مخزونًا معينًا من الكلمات. هذا المخزون أخذته من قراءاتك، وسوف تستخدمه فى كتاباتك بكل تأكيد، لكن ثمة مشكلة.

ستجد أن هناك بعض الكلمات المتكررة بشكل مستمر فى صفحات الرواية. حاول أن تجد كلمات أخرى تؤدي نفس المعنى. لغتنا العربية ملآنة بها، وسوف تساعدك على إضفاء ثراء للنصّ.

لا تنس: ابتعد عن الكلمات المتكررة فى كل صفحة، وابحث عن كلمة تؤدي نفس المعنى.

الخطوة الخامسة

عند قراءة نصّك بشكل متأنٍ، قد تجد من الأفضل أن توضع هذه الفقرة فى أول الفصل السادس، وأن تُحذف هذه الفقرة من الفصل الثامن، وتوضع في نهاية الفصل الثاني.

 مسألة التقديم والتأخير مسألة فى غاية الأهمية. صحيح أنها مرهقة؛ لأنها تتطلب منك عمل بعض التغييرات، التى تجعل تدفق السرد منسجمًا في نسيجه، لكنها ستساعدك-حتمًا-على رفع مستوى النصّ.

لا تنس: التقديم والتأخير يكون ضروريًا أحيانًا؛ فلا تتكاسل عن فعله.

الخطوة السادسة

هذه التقنية من الأفضل أن تُفعل أثناء الكتابة نفسها، لكن لا بأس من فعلها أثناء عملية التحرير.

احرص على أن ينتهي كل فصل من فصول روايتك بشكل مشوّق وجذّاب، ويرفع نبضات قلب القارئ.

 يمكن فعل هذا عن طريق إضافة “قفلة” حادة غير متوقعة، أو مفاجأة مثيرة.

تخيّل أن روايتك عبارة عن مسلسل مكون من عدد معين من الحلقات، ويمكنك أن تتعامل مع كل فصل من فصولك على أنه حلقة في هذا المسلسل.

 أنت ترى أن المسلسلات المشوّقة، والتى تنتهي حلقاتها بشكل غامض، ويحبس الأنفاس من الإثارة وعدم التوقع تجعل المشاهد ينتظرها بشغف.

لا تنس: من الممكن أن تساعدك هذه التقنية على رفع درجة التوتر والتشويق، والقضاء على شعور الملل الذي قد ينتاب القارئ.

الخطوة السابعة

أصعب شيء على الكاتب أن يقوم بحذف فقرات-وقد تصل لصفحات، وأحيانًا فصول-من روايته التي تعب في كتابتها بكل أعصابه.

 حسنًا، قد تكون هذه خطوة صعبة، لكن ضرورية. هناك بعض الفقرات المترهلة، الزائدة عن الحاجة. الثرثرة فخّ ساحر يقع فيه بعض الكتّاب، لكن من الأفضل أن تقتصد بحيث تؤدي الكلمات دورها على أكمل وجه.

لا تنس: مقصّ الرقيب قد يكون ضرورة؛ لجعل النصّ أقوى.

الخطوة الثامنة

احرص أن يكون الحوار مُختصرًا، ومكثفًا. طبعًا الحياة الواقعية قد تجد فيها بعض الثرثارين الذين يمتلكون موهبة التحدث بدون ملل، ولديهم قدرة على جعل من يستمع إليهم لا يشعر بالضجر.

 حسنًا، قد تكون موهوبًا فى كتابة الحوار، ولديك قدرة هذا الثرثار، لكن الحوار من المفترض أن يؤدي وظيفة معينة، أن يدفع عجلة السرد للأمام، أن يُقدم بعض المعلومات بخصوص الشخصيات أو الأحداث بشكل واعٍ ومقصود.

لا تنس: اجعل حوارك مركزًا، مكثفًا كرصاصة تصوبها لخصمك على مسافة قريبة.

الخطوة التاسعة

هناك مسألة مهمة متعلقة بالتوازن، وهو أن تخلق نوعًا من التناغم والانسجام بين وحدات الرواية.

 على سبيل المثال:

 روايتك يمكن تصنيفها على أنها رواية مليئة بمشاهد الحركة، بطلها أحد رجال المخابرات، أو لصّ محترف، أو قاتل مجنون، أيًا كان؛ فحاول خلق توازن، يعتمد على بعض المشاعر العاطفية التى يتم وضعها بذكاء بين ثنايا السطور، ولا بأس بمسحة كوميدية خفيفة جدًا لا يُقصد بها الإضحاك، بقدر ما يُقصد بها “تلطيف” الجوّ المشحون بالتوتر والمفاجآت.

 ويمكن تطبيق الأمر على بقية أنواع الرواية؛ فأيًا كان موضوعها؛ فأنت تحتاج لأشياء أخرى لصنع توازن.

لا تنس: مسألة التوازن مهمة؛ لخلق نوع من التغيير والتجديد في روايتك.

الخطوة العاشرة

إذا كانت هناك بعض الجمل، أو الفقرات، أو الصفحات، او حتى الفصول التي يُفضَّل حذفها، فإن هناك مناطق في الرواية تستدعي منك أن تقوم بإضافة بعض التفاصيل إليها، التي تساعد القارئ على رسم صورة جيدة.

 خلاصة القول، أن تحذف ما تجده مترهلًا، ويبطئ من إيقاع الرواية، وأن تضيف ما يضيف بعض الرونق والبهاء لنصّك.

لا تنس: هناك فقرات يُفضَّل أن تضيفها للرواية، حتى تتسم بالوضوح، وحتى يضع القارئ نفسه داخل الجوّ المصنوع عبر ثنايا الأحداث.

الخطوة الحادية عشر

اقتصد في التحدث عن شخصياتك. والمعنى أن تتحدث عنها بما يخدم الرواية. مضى العهد الذي كان فيه المؤلف يصف البطل في صفحتين. صحيح أن هناك من يحب هذا النوع من الأدب-كأدب دستويفسكي، وبلزاك وتولستوي، وغيرهم-لكن الأغلبية تريد الوضوح، وذات الوقت الاقتصاد في إعطاء معلومات عن الشخصيات بما يخدم النصّ، ويدفع بالعجلة للأمام.

لا تنس: لا تقل كل شيء عن شخصياتك في بداية الرواية، إلا لو كان تحدثك عنهم بحرية واستفاضة سوف يخدم الرواية فيما بعد. الأمر راجع إليك.

الخطوة الثانية عشر

هناك روايات تبدأ بافتتاحيات عظيمة، لكنها تنتهي بنهايات سيئة للغاية. احرص على وضع نهاية تليق بروايتك. النهايات هي ما يتبقى في ذهن القارئ لفترة طويلة.

لا تنس: نهاية قوية، لا تُنسى، متسقة مع نسيج روايتك.

الخطوة الثالثة عشر 

الخطوة الأخيرة متعلقة بالتدقيق اللغوي، والقواعد النحوية. إنها الفرشاة الأخيرة التي تمنح لوحتك الفنية الإبداعية المكتوبة بالكلمات رونقها وجمالها.

لا تنس: رواية بدون تدقيق لغوي، أو تصحيح جيد، سوف تتلقى الكثير من الضربات القاتلة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s