الكتابة: نوعٌ آخر من الخلود

لماذا نكتب؟

هذا سؤال مضنٍ، ويبدو من الغبن أن أتحدث هنا نيابة عن كل من كتبوا، وكأنى كنتُ معاصرًا لهم في حيواتهم، ومتشابكًا بأعصابهم ومشاعرهم؛ فأعرف جيدًا ما يدور هناك. من الأسهل أن أقول: نحن نكتب، ولكل كاتبٍ أسبابه ودوافعه، وأيًا كانت هي؛ فما يكتبه هو ما يشهد على طبيعته، وما يريده، مع رفع القبعة لنظرية الاحتمالات، وسيظلُّ الأمر لغزًا، مستعصيًا على الفهم من وجهة نظري، لكنى على الأقل يمكننى الكلام عن نفسي. 

لماذا أكتب؟

هذا سؤال مراوغ، وخبيث، ودافع للمرء لكى يتحدث عن الرسالة العظيمة التي يريد أن تصل للناس، وكأنى صرتُ بوذا، أو شخصية ملهمة ومثيرة بدأت من القاع، ووطدت مكانتها في عالم الكلمة بشقِّ الأنفس، لكن في الحقيقة الإجابة تبدو أبسط من ذلك بكثير.

أنا أكتب لأني أحب الكتابة. بمعني أدق: لأنى وقعتُ في غرام القراءة منذ سن مبكرة، بدءًا بروايات المؤسسة العربية الحديثة، حيث التهمتُ معظم سلاسلها بشغف، وقرأتها عدة مرات، ولديّ قائمة في عقلي بأفضل الروايات، وثمة أفكار رائعة تمَّ تناولها بعجل؛ مما جعلني أتحسر، وأتمنى لو كانت هناك طريقة لتناولها مجددًا بشكل مغاير وتفصيلي.

أتذكر أن شخصية السنيورا- سلسلة رجل المستحيل للدكتور نبيل فاروق- كانت من أبرز الشخصيات المثيرة لخيالي، وتشوقي لمعرفة اسمها الحقيقى. تخيلّ أنى ظللتُ سنوات أنتظر معرفة حقيقتها، ولأن الأمر كان مستفزًا، ومثيرًا للملل، قمتُ بكتابة رواية أكشف فيها عن شخصيتها الحقيقية. كنتُ مخطئًا في الواقع؛ إذ أن الشخصية كانت آخر من أتصوره، وأعتقد أن هذا من الأشياء الجيدة في الكاتب؛ ألا يكون متوقعًا.

لا أتذكر حقيقة الأسباب والبواعث الحقيقية لسيرى في طريق الكتابة. تراكمتْ الدوافع والأسباب بشكل غامض وبطيء على مدار سنوات طوال، وفى النهاية وجدتُ أننى أجيد هذا “الفعل”، ومن ثمَّ سيكون من العبث أن أبحث عن شيء آخر.

في حوار مع بول أوستر كان الرجل يتكلم عن حظه الحسن الذي يجعله يكتب ويتعيش مما يكتبه. يمكن تفهم هذا في العالم الغربي، حيث هناك احترامٌ كبيرٌ للكتّاب، وحفلات توقيع مزدهرة، ومبيعات بملايين الدولارات، وأفلام ومسلسلات يتم اقتباسها من الأعمال الناجحة.

الكتابة هناك فعل يمكن التعيش منه، والاتكاء عليه كليةً، لكن في عالمنا العربي: الأمر مختلف بشكل مؤسٍ ومخزٍ.

هناك صفوة الكُتَّاب الذين يتعيشون من كتاباتهم بالفعل، لكن نجيب محفوظ- مثلًا- كان يتحدث عن مصاعب الحياة، وأنه يعتمد على ما يأتيه من دفعات لنشر كتبه في لبنان وغيرها. لاحظ أن نجيب كان موظفًا حكوميًا، وكان يعتمد على وظيفته بشكل أساسي أيضًا، برغم أنه عمل ككاتب سيناريو أيضًا بجوار وظيفته الحكومية، وعمله الإبداعي كروائي وقاصّ.

الكتابة” فعل” مرهق. صحيح أنه ممتع، لكنه مرهق؛ لأنه يستهلك الكاتب، ويأخذ من أعصابه ودمه وتفكيره، ويحوله لخرقة بالية غير صالحة للاستخدام لفترة، قبل أن يشحن نفسه، ويعيد ضبط بوصلته ويبدأ من جديد.

من ضمن الأقوال الغريبة مثلًا عندما يملك أحدهم موهبة الكتابة، ونصيحة الأقرباء والأصدقاء له؛ بأن يعتمد على وظيفة ما، وأن يمارس هوايته هذه في أوقات الفراغ.

والحقيقة أنها نصيحة جيدة جدًا، ومنطقية، لكنها نصيحة مخيفة على الجانب الآخر؛ فهناك نوع من الاستخفاف بالكتابة، واعتبارها مهنة غير حقيقية، مجرد هواية، مثل جمع الطوابع، وأعواد الثقاب، وأنها تُمارس في أوقات الفراغ، على أساس أنها شيءٌ سهل، يمكنه فعله بأقل قدر ممكن من الجهد، وكأن الكاتب سيقدر على فعلها فعلًا. عندما يكون موظفًا، وهو ما يعني أن ثمة عدم فهم حقيقي للكتابة وأصحابها.

طبعًا هنا كتّاب يقدرون على فعلها، وأن يوفقوا بشكل ما بين وظيفتهم وإبداعهم، لكن النقطة المهمة هنا أن بعض القرّاء لا يحترمون كتّابهم.

يمكن معرفة هذا بوضوح عندما ترقب ردود فعل القرّاء مع الكتّاب، الذي يعلنون عن كتبهم الجديدة على صفحات الفيس بوك مثلًا. أحد القرّاء دخل على صفحة حسن الجندي- كاتب الرعب الشهير- وطلب نسخة PDF  من كتابه الجديد. متخيل؟!

بعض القرّاء يتعامل بنوع من التفضل على الكاتب، وأن من حسن حظه- من حُسْنِ حظِّ الكاتب وليس القاريء- أن هذا الأخير يقوم بقراءة ما يكتبه الأول، حتى لو كانت نسخة مقرصنة، رديئة!

في الكتاب السابع من سلسلة هاري بوتر” هاري بوتر ومقدسات الموت”، تمَّ شراء أكثر من مليون نسخة رقمية في أول ليلة من عرض الكتاب. منظر الطوابير التي تنتظر أمام متاجر الكتب، والتي تبيت ليلتها أحيانًا في العراء، حتى تحصل على النسخ الأولى من كتابها المفضل، تثير الغيظ والحسرة.

لكن الثقافة هنا مختلفة، والرؤية مختلفة.

نعود مرة أخرى لذات السؤال:

لماذا أكتب؟

كما قلتُ؛ من أجل أني أحب الكتابة. إنه من الرائع فعلًا أن تُشكل عوالمك التي تحبها على الورق. من الرائع أن تؤثر كتاباتكم على أحدهم، أن تزيد من مساحات أرض الجمال في العقول والقلوب. هذا ما تفعله الكتابة. إنها تحقق نوعًا من الخلود للكاتب، وتحقق نوعًا من طول العمر للقاريء؛ إذ أن ما يشعر به الكاتب، وما يخطه، وما يواجهه، وما يخلقه، تتم إضافته ومشاركته بشكل تلقائي مع القاريء، ويمكن معرفة المزيد عن هذا من خلال سلسلة المقالات الماتعة التي كتبها الفيلسوف زكي نجيب محمود في كتابه القيّم” قِيَم من التراث”.

ربما يحدث هذا الآن، أو بعد سنوات طويلة، وبعد أن يوارينا التراب، ربما في هذا الكوكب، أو في كواكب أخرى، أو فى عوالم أخرى.

وتقفز الآن لذهني صورة لأحفاد أحفاد الكاتب الإنجليزي الشهير تشارلز ديكنز، وهم يأخذون صورة فوتوغرافية مع تمثال جدهم الراحل.

لا أعرف أسماؤهم، لكنى أعرف جدهم جيدًا!

***

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s