الكتابة: فعل وحيد عشوائيّ

في أحد أفلام مورجان فريمان يقول البطل بأنه يريد تغيير العالم، ويكون ردّ فريمان فيما معناه أن التغيير يأتي من فعل واحد، جيد، وعشوائي.

والمعني أن الأشياء الصغيرة هي التي تغير شكل العالم حقًا. هل يمكن أن ينطبق هذا على الكتابة؛ بمعنى أدق على القصة/ الرواية؟

 

فلنتفق أن الكتابة ليست فعلًا جيدًا في حدّ ذاته. هي مجرد أداة للتغيير، للأفضل، أو للأسوأ، مثلها مثل كل الأشياء في الواقع؛ سلاح ذو حدين، لكن الكتابة تمتاز بأنها” فعل عشوائي مغرق في الغموض والضبابية”.

في تحفة دستويفسكي الأخيرة”الإخوة كارامازوف”، نقع في إشكالية عن مرتكب الجريمة، وقاتل الأب. الإشكالية هنا أن أحد الإخوة لم يفعل شيئًا بيده، لكنه ساهم في الجريمة، من خلال بثّ سمومه وأفكاره، والتي أثرت بدورها على القاتل الحقيقى، وجعلته يفعلها!

قانونًا لن يُمسك عليه أحد شيئًا، لكن أخلاقيًا نعرف أنه مدان!

ما الذي تفعله الكلمات في البشر؟ كيف لأغنية رخيمة أن تهدهد من طفل باكٍ، وكيف لها أن تُهيّج أحزان عاشق، وكيف لها أن تعيد ذكرى من قبو الذكريات، فتبعث معها عشرات الصور المختزنة؟!

وما ينطبق هنا على الكلمة التي تقال، ينطبق على الكلمات التي تُطبع على الورق، تُحبس رغمًا عنها في قفص لن تخرج منه إلا عندما يتلوها أحدهم؛ فتنبعث فيها الحياة، وتبعث هي الحياة في أشخص آخرين!

وماذا عن التعاويذ السحرية؟ كيف لمدرسة هوجوورتس أن تُولد أصلًا، لو لم يوجد سحر، ولو لم توجد الكلمة، ولو لم توجد جوان رولينج؟

العمل الإبداعي(كفعل، واحد، عشوائي)، قادر على تغيير كيمياء المخّ، وهناك دراسات عديدة تؤكد تأثير الإبداع في المرء. نجيب محفوظ كان يقرأ روايات الجيب المترجمة، ونفس الحال لعالم الطبيعة العظيم ألبرت آينشتين. الأول حصل على نوبل في الآداب، والثاني حصل على نوبل في الفيزياء! وسنرى الكثير من النماذج، التي تأثرت بقراءتها للأدب، وكم من شخص تغيرت حياته، بسبب رواية، أو قصة.

هل السرّ يكمن في القصة نفسها، أو الرواية نفسها، أو القصيدة نفسها؟  أو حتى مجرد كتاب جاف. ربما الأمر يتعلق بالتوقيت المناسب فحسب. أبراهام لينكولن( إن لم تخني الذاكرة)، تغيرت حياته بالكامل عندما وجد كتابًا ملقى في برميل يتحدث عن القانون والمحاماة، وهذا الكتاب جعله يتغير، ولم يسأل نفسه إذا كان سيفعلها متأخرًا؛ إذ أنه قد بلغ الأربعين وقتها، وصار بعدها محرر العبيد، ورئيس الولايات المتحدة رقم 16!

وبرغم أن الكتب كلها تؤثر بشكل أو بآخر، لكن تظل للحكاية سحرها الخاص، المفعم بالروائح، والأحداث، والتفاصيل. يمكنك القول” أن الخير يصنع لصاحبه ملاذًا عندما تنغلق في وجهه الأبواب“. سنهزّ رؤوسنا موافقين، ثم ننسي الأمر كأن لم يكن. لكن عندما تُصاغ هذه المقولة في رواية ضافية، ملآنة بالتفاصيل، والناس، والتقلبات الدرامية المذهلة، نرتبط لا شعوريًا بهذا الكيان المكتوب بحرفية، ونجد أنفسنا هناك، نفرح كما يفرحون، ونحزن كما يحزنون، ونفاجأ أننا ارتبطنا بشكل وثيق بتلك الرواية، التي لامست فينا شيئًا ما.

العالم في مجمله وتفصيله قائم على القصة.

آلاف الروايات والقصص، والمسلسلات والأفلام والمسرحيات، والإعلانات التسويقية، وغيرها، التي تصدر كل عام، بكل لغات العالم، ترتكز على حكاية. على الكلمة.

الكتابة الإبداعية لا تخلق معني جديدًا، لكن ما تفعله هو أنها تكشف عن نفس المعني لكن بشكل مختلف، في سياق مختلف، مع بطل مختلف، والمرء في جوع لالتهام كل ما يقدر على التهامه، وكأن هذا هو غذاؤه الحقيقى.

هذا الفعل، الذي يُفعل عشوائيًا، على أيدي أناسٍ يحبون الكتابة، ألا يغيرون العالم في كل لحظة نعيشها؟

أترك لك إجابة هذا السؤال.

***

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s