الكتابة: حين يكون النجاح تراكميًا

أثناء حضوري لندوة للكاتب العبقري د: أحمد خالد توفيق، سمعته يتكلم عن النجاح التراكمي. عندما أصدر سلسلة ما وراء الطبيعة؛ لم تحقق النجاح إلا بعد صدور بضع أعداد، ونفس الأمر ينطبق على مشروع روايات مصرية للجيب كله؛ فبعد صور الأعداد الأولى من سلاسل رجل المستحيل، وملف المستقبل والمكتب رقم 19 لم ينتبه أحد لصدورها؛ لدرجة أن ثمة شك قد خامر نبيل فاروق بأن الأمر غير مجدٍ، لكن حمدي مصطفي- الرائد العظيم، ومؤسس المشروع- طلب منه أن يواصل الكتابة، وألا يشغل نفسه بالانتشار، وبالفعل صدق حدس حمدي مصطفي، وانتشرت السلاسل من المحيط للخليج.

 

النجاح في كل شيء هو نجاح تراكمي.

قصة شبكة الفيسبوك، التي انطلقت من جامعة هارفارد، ثم إلى بقية المدن الأمريكية، ثم إلى العالم كله، هذا لم يحدث بين ليلة وضحاها. الأمر استغرق وقتًا.

تخيّل كرة ثلج، كرة صغيرة جدًا تهبط من فوق قمة جبل، وأثناء سقوطها تلتصق بها العديد من الحبيبات الثلجية، وفى كل متر تقطع الكرة لأسفل يزداد حجمها، حتى تتحول لكرة عظيمة هائلة.

النجاح في كل شيء متعلق بهذه التقنية: تقنية الوقت الذي يمرُّ، ومع الوقت يبدأ المرء في حصد البذور الذي نثرها في عمله. طبّق الأمر على كل مجالات الحياة، على الكتابة، التكنولوجيا، العلوم، الحب.

عندما تكتب؛ فلا تتوقع أن يلفت ما تكتبه الأنظار. تحتاج لوقت حتى تتقن ما تفعله، تجتاج لوقت حتى يصير لديك كمّ من المخطوطات، تحتاج لوقت حتى تستطيع اكتساب أسلوبك الخاص.

في التكنولوجيا؛ لابد أننا سمعنا عن أديسون، وكيف أنه يتكلم عن النجاح بأنه 99% مثابرة، و1% موهبة. المخترع العظيم الذي كان يستمر في إجراء التجارب دون توقف، حتى يصل إلى ما يريده.

تندهش من قدرة المستشرقين، وعلماء الاجتماع، والمخترعين، وغيرهم على قضاء سنوات طوال في نفس الشيء، يستجلونه من كل جوانبه، ويريدون معرفة كل ما يتعلق به.

أما عن الحب؛ فهو الشيء الوحيد الذي يتطلب منك أن تستمر في فعل” أشياء، صغيرة، عشوائية، جيدة”، حتى تثبت أنك تحب الطرف الآخر.

كل شيء يحتاج لوقت، ولصبر واستمرارية.

حتى في تعلمنا للأشياء، واكتساب مهارات جديدة نحتاج للوقت.

عندما سقطت القنبلة الذرية على اليابان، وسحقت الأخضر واليابس؛ ما الذي جعلها تنهض من كبوتها، وتصير اليابان التي نسمع عنها دومًا بصفتها كوكب اليابان الشقيق؟

الحقيقة أن الفضل يرجع في ذلك إلى تقنية” الكايزن”، وهى أن النجاح يأتى من فعل أشياء صغيرة على مدار فترة طويلة، وبالفعل تم التغيير في اليابان على مدار سنوات، وكانت هذه التقنية من الفاعلية والإنجاز؛ لدرجة أنها غيرت خريطة دولة بأكملها. هذه الأشياء الصغيرة هي التي تصنع النجاحات.

رجل فوضويَ؛ لو تعود كل يوم على وضع شيء في مكانه؛ فسيتحول إلى نموذج للتنظيم والدقة.

لو شخص غير نظيف، تعود على غسل ونظافة شيء كل يوم سيتحول بيته لآية في النظافة والبهاء!

لو قمتَ بكتابة 100 كلمة فقط كل يوم؛ فبعد انتهاء عام ستكتب رواية مكونة من 36,500 ، ولو كتبت 200 كلمة يوميًا، ستكتب رواية مكونة من 73 ألف كلمة بنهاية العام.

لو قام أحدهم بعمل تمرين بسيط لكي ينزل من كرشه كل يوم؛ فبعد أسابيع سيرى النتيجة، وبعد شهور سيتحول لبطل من أبطال الإغريق القدامي.

الفكرة قائمة على فعل أشياء صغيرة، لكن باستمرارية، ودون توقف.

وهذا ما يصنع النجاح.

فعل، واحد، عشوائي، بشكل مستمر، في الكتابة، أو في أي أي شيء آخر، هو الذي يصنع الإنجاز، والنجاح، وإحساسنا بأننا مهمون، وأننا بتصرفاتنا الصغيرة هذه نصنع لنا نوعًا من الخلود، يتناثر في محيط الأزمنة والأمكنة!

***

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s