هل؟

ونعوذ بالله من الحيرة والتشتت، والوقوع في مزالق التهلكة!

يبدو الوقت هو السيد الحقيقي لهذا الوجود، يعرف هدفه الغامض جيدًا، يسير بثقة وشموخ، لا يتلجلج، ولا يتردد؛ إذ أن كل واحدٍ منا يحمل ساعته معه، يسير دون هدى، برأس مفعم بالأحلام والطموحات والأماني، ينصرم يومه دون أثر يُذكر، لكنه يأمل أن يفعل أفضل ما لديه في اليوم التالي، وآهٍ من التسويف، وجملة” غدًا سأفعل”؛ إذ أنها لعنتنا جميعًا، نرضخ تحت سحرها، وتلفنا في شرنقتها دون فكاك، وإذا فطنا لما تفعله فينا من تدمير بالبطيء؛ يبدأ عقلنا في المراوغة، وتشرع منطقة الأميجدالا في ضخِّ الخوف، والرهبة، والتقهقر للوراء!

منذ زمنٍ طويلٍ، وأنا أفكر في كتابة هذه السلسلة-التي لن أتحدث عنها الآن بشكل صريح؛ إذ أنها طور الكتابة-لكن أقول لنفسي: غدًا، والحقيقة أن هذا الأخير يأتي أسرع مما أظن، وكأن البركة قد نُزعت منه!

أتصل بصديق مقرب إلى قلبي، نتشارك حبّ الكتابة، ويتفوق عني في خبرة عتيدة في العمل عبر الإنترنت؛ كمترجم ثقة، وله أحباؤه ومتابعيه. أتصل به؛ لأني أريد رأيه في بعض الأمور؛ فينصحني بقلب الأخ المحبّ، ويخبرني أن التجربة خير برهان. ينصحني بأشياء، أعرفها في قرارة نفسي، لكنى أحتاج منه أن يؤكد ما أظنه، وأحتاج منه أن يدفعني لطريق الصواب، يمنعني من شرِّ نفسي، ومن التشتت اللعين، ومن الأفكار التي تتكاثر وتنمو كالبكتيريا في قاع جمجمتي.

فقط علىّ أن آخذ فكرة واحدة، أفصلها عن أخواتها، أعطيها اسمًا، وسكنًا، ورقمًا مسجلًا، وأنفخ فيها من اهتمامي ورعايتي حتى تغدو شيئًا مثيرًا للاهتمام، يختلف كثيرًا عن بقية الأفكار، الشبيهة بالأشباح، لا تفعل سوى الجؤار، والتسبب في صداع كاسح، تفلح معه أقراص الأسبرين بالكاد!

أحيانًا أسأل نفسي: هل نحن فعلًا مخلصون للكتابة؟

ماذا نريد منها بالتحديد؟

هل نريد المال، أم الشهرة، أم نبحث عن شيءً ما في وسط الركام يؤكد هويتنا كبشر، أو أننا لا نريد أن نمرُّ على هذه الدنيا مرور الكرام؛ فنريد أن نترك أثرًا على الحجارة، لا تمحوه الأزمنة، ولا يبهت على مرِّ الأيام؟

أتذكر مارسيل بروست عندما كتب ملحمته الكبرى” البحث عن الزمن المفقود“، حيث كان مصابًا بالربو، يقبع في حجرة محصنة، لا تمرُّ بسمائها الأتربة، يكتب وهو جالس على ظهره ما يربو عن المليون ونصف  كلمة. يرحل بروست، وتتبقي ملحمته شاهدة على عبقريته، وأنه كان مخلصًا للكتابة، بغضِّ النظر عن هدفه منها أصلًا.

وكان” باهر” هو الشخص الذي نزعته من بين بقية الأفكار، أعمل عليه بتؤدة، وأصنع له تاريخًا، قد يبدو له ملفقًا؛ لكنه يحمل الكثير من شذرات مررتُ بها في حياتي، لكن عليه أن يصلب طوله، ويستوي على سوقه، وينساني تمامًا، وربما لو تقابلنا في الشارع ذات يوم، يسير كلًا منا في طريقه دون أن يكترث أحدنا بإلقاء التحية على الآخر!

باهر مثلي، لم يحقق شيئًا ملموسًا بعد في حياته، ينظر حوله؛ فيجد أن العالم يتجه للجحيم، وأن الاكتئاب صار مرض العصر، لا يتوقع معجزة تنتزعه مما يحدث؛ لكن الأحلام، والأمل في غد، تفعل فعل المخدر، تُبقيه على قيد الحياة، وتطلب منه أن يستمتع بالأشياء الصغيرة، حتى تأتي تلك اللحظة التي يتغير فيها كل شيء.

دعوني أكن معكم صريحًا: هو لا يتوقع تغييرًا كبيرًا مثلي، لكن-بخلافي-يمكن له أن يحدث له شيء مبهر، مثل اسمه، وسأساعده على ذلك. ربما لا أقدر على فعل ذلك في واقعي الكئيب، لكني أستطيع فعلها مع شخصية خيالية في معظمها.

أضغط على زر إشعال شاشة الكمبيوتر. أفتح ملف الوورد، وأشرع في كتابة مخطط. الحقيقة أنى لا أكتب مخططًا لرواياتي. لكنى أفعلها في عقلي، وأنا نائم، وأنا أتناول طعامي، وأنا أشاهد فيلمًا، وحتى وأنا مسترخٍ أتأمل الأفق بنظرة أقرب ما تكون للبلادة. يبدأ عقلي في نسج التفاصيل ببطء، وبدلًا من مشكلة الصفحة البيضاء، حيث لا يوجد أي شيء، تبرز مشكلة أخرى على الجانب الآخر: كثرة التفاصيل، والأحداث، والشخصيات، ومن ثمّ أجد أن فكرة السلسلة هي الأقرب للتنفيذ. لكن لابد من تخطيط على الورق. تخطيط دقيق، يبتعد عن العشوائية، برغم أن فكرة السلسلة نفسها عشوائية، مجنونة، لكنها ليست كذلك في الواقع.

عندما كتب نجيب محفوظ الثلاثية، كان يحتفظ بملف لكل شخصية. ليس من المهم أن تظهر المعلومات أمام القارئ، لكن على الأقل يعرف الكاتب ما يفعله بالضبط، تتدفق الكلمات من أفواه الشخصيات بشكل منطقي، وتغدو لكل شخصية بصمة خاصة بها.

تعلمت التخطيط بحكم عملي كسيناريست. أعمل في ورشة سيناريو منذ عشر سنوات؛ ولم أتوقف عنها إلى الآن، تعرض علىّ العديد من السيناريوهات، أقوم بتعديلها، وضبط أفكارها، وتوجيه شخصياتها، وتشذيب الأحداث بشكل ملائم. الممارسة جعلت المرء يفعلها دون جهد، ظني أن التخطيط الجيد لكل شيء هو أساس النجاح. إنه يختصر الوقت والجهد، ويجعل الكاتب يركز في عمله، بحيث يكون واضحًا، لا يمرُّ بالعديد من مناطق الضعف، وحيث يغدو لكل شيء هدف ومعنى.

وهذا ما أريده أيضًا لحياتي؛ فهل أفلح في فعلها مع باهر، ومعي؟

الزمن هو من سيؤكد هذا أو ينفيه!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s