حوار مع الدكتور جواد بشارة، وتجربته الألكترونية الواعدة

مقابلة مع الدكتور جواد بشارة أجراها عارف فكري

بدايةَ أقدم شكري الجزيل وامتناني العميق للدكتور جواد بشارة، لموافقته على اجراء الحوار معي، بل وترحيبه البالغ، وردوده التي كانت تصلني بسرعة وسط مشاغله وأعماله، وأرجو أن يكون خلقه الرفيع ملهمًا لباقي مفكرينا.

هل يمكنك أن تحدثنا عن نفسك في نبذة مكثفة للقارئ الذي قد لا يعرفك؟

د.جواد بشارة فنان سينمائي وإعلامي، معارض سابق للنظام الصدامي منذ أربعين عامًا، ومقيم في المنفى في باريس منذ سبعينات القرن الماضي إلى يومنا هذا. أحمل شهادة الدكتوراه من السوربون في جماليات السينما والأدب الفرنسي. كتبتُ الكثير في المجال السياسي والنقد الفني والأدبي والبحث الفكري، وترجمت الكثير من النصوص والكتب وألفّتُ كتابًا بالفرنسية عن نقد العقل اليهودي الغربي، وكتاب استراتيجي عن إيران، ودراسات كثيرة عن السينما.. الخ. وأخيرًا ركزت في الآونة الأخيرة على البحث العلمي في مجال الفيزياء النظرية وعلم الكون، وأصدرت كتاب: الكون أصله ومصيره في دار نشر ألكترونية، وسينشر لي قريبًا جدًا جزء آخر في نفس المجال.

قبل أن نتطرق لكتابك “الكون أصله ومصيره”؛ لماذا فكرّت في النشر الإلكتروني، وكذلك باللغة العربية، وأعتقد أنك تعرف أن القاريء العربي ما زال يتعامل مع ذلك المفهوم بنوع من الاستخفاف وعدم الجدية؟

لا بد لكل شيء من بداية؛ لذلك قررت خوض تجربة النشر الألكتروني باللغة العربية؛ لأنني أعرف أن الكثير من القراء العرب بدأوا يستخدمون وسيلة إلكترونية هي الكومبيوتر، ويبحثون في الإنترنيت ويتابعون آخر ما يقدمه العلماء والباحثون في مجال البحث العلمي، وباقي المجالات الفكرية، وسوف تترسخ تقاليد التعاطي مع الكتاب الإلكتروني تدريجيًا مع مرور الوقت، وأنا واثق من ذلك، والنتيجة تبشر بخير.

هل تجد أن للنشر الألكتروني مستقبل في عالمنا العربي؟

نعم ولكن ليس بسرعة، وهو محدود جدًا في الوقت الحاضر، لكنه سيتطور حتمًا، وهناك مؤشرات تدل على ذلك.

كيف يمكننا أن نُرسخ للنشر الألكتروني؟ بمعني أدق: كيف يمكننا أن نستفيد من إمكانياته، وخاصة أنك تعرف أن النشر الورقي في عالمنا العربي يضيع بين إهدار حقّ المؤلفين، وسيطرة دور النشر الكبري، بينما دور النشر الصغيرة والمتوسطة تقوم باستنزاف الكتّاب الجدد، مستغلة رغبتهم الجارفة لرؤية مخطوطاتهم مطبوعة؟

النشر الورقي أو الطباعي تحكمه ظروف وقواعد تقييدية ومعوقات، وهو محدود الانتشار وتدخل فيه عوامل عديدة؛ على رأسها الخسارة والربح وعدم ضمان التوزيع واستيفاء العائدات.. إلخ. لذلك تضيع الحقوق خاصة على المؤلفين والمترجمين، وهناك العديد من دور النشر الصغيرة والمتوسطة أعلنت إفلاسها وأغلقت أبوابها، لذلك لابد من اللجوء إلى بدائل أكثر نجاعة وانتشاراً وسهولة لنشر الآثار سواء كانت أدبية أو علمية أو دراسات إنسانية، اقتصادية، سياسية، فلسفية، تاريخية، الخ. ومن أهم البدائل هو النشر الألكتروني الذي بات معروفاً في الدول المتقدمة.

لماذا فكرّت في دار إي- كتب تحديدًا؟

بمحض الصدفة أخبرني صديق عنها، وهو يشتري منها باستمرار ويعيش في باريس، فاتصلتُ بهم وطلبت منهم معلومات، فأجابوني بالتفصيل على كل تساؤلاتي، ووجدتُ فيهم الجدية والأمانة وقررت خوض هذه المغامرة معهم ولقد نجحت، وهي دار نشر رصينة وأمينة .
كيف دار التعامل بينكما؟ أقصد هل كانت هناك معوّقات؛ كالتى نجدها في دور النشر الورقية؛ مثل مرور وقت طويل، أو الاعتراض على بعض الأجزاء في الكتاب؟

على العكس تمامًا؛ كان الرد سريعًا وتفصيليًا وصريحًا، ولم يعترض أحد على النص، إلا أنه مرّ بالطبع على لجنة قراءة لتقويم صلاحيته للنشر والاطلاع على محتواه، وهذا من حق أي دار نشر سواء أكانت ورقية أو رقمية إلكترونية.

نُشر كتابكم في الحادي عشر من يناير الماضي؛ أي أنه مرّ ما يقرب من عشرة أشهر على نشره.. هل يمكننا أن نعرف كم نسخة بيعت من الكتاب؟

حسب الردود التي وصلتي هناك أكثر من 5000 نسخة بيعت وأنتظر من الدار إبلاغي بالعدد النهائي في نهاية كل عام حيث سوف ينشرون كتابي الثاني عندهم أيضًا.


أنت تعرف أن”بعبع” الكتّاب هو سرقة كتبهم؛ من حيث سرقة دور النشر نفسها لهم، وبيع طبعات جديدة دون الرجوع إليهم، ومرورًا بوجود طبعات غير قانونية لدور نشر أخرى تنشر وتبيع بجرأة ووقاحة.. الآن صار الخطر أيضًا يأتي من رفع الكتاب على الإنترنت من خلال مسحه إلكترونيًا، وإذا كانت هذه الطريقة تتسبب في شهرة أكثر للكاتب والكتاب؛ لكنها بالتأكيد قد تُؤثر على المبيعات.. هل تجد أن هذه المشكلة موجودة في النشر الإلكتروني من خلال تجربة نشر كتابك بشكل ألكتروني؟

لا أعتقد أنها موجودة؛ لأن الكتاب محميّ ولايمكن فتحه إلا بكود أو شيفرة خاصة بكل نسخة تباع، ولكن بالطبع يمكن لمن يشتريه أن يقوم بعمل مسح ضوئي لمحتواه وعرضه بشكل غير قانوني على الانترنيت مجانًا، وهذه المشكلة موجودة مع الكتاب الورقي والكتاب الالكتروني على حد سواء.

كان اختيارك لموضوع كهذا- كما أرى- نوعًا من المغامرة والمجازفة؛ فأنت تختار موضوعاً علميًاَ شائكًا، وتعرضه من خلال دار نشر إلكترونية، وأيضًا باللغة العربية.. سبب دهشتي أن هناك مقولة بأن ” العرب لا يقرؤون”.. ألا تعتقد أن دهشتي هذه لها بعض الوجاهة؟

على العكس؛ أعتقد أن هناك كثير من القراء العرب يتشوقون لمثل هذه المواضيع، ويبحثون عنها في الإنترنيت وعبر المواقع الألكترونية المختلفة، ومن الخطأ اعتبار العرب أمة لا تقرأ؛ فهناك طبقة مهمة من المتعلمين والمثقفين والمبدعين يقرأون بنهم ويتابعون كل جديد وبمختلف اللغات، ولكن لا تنسَ انتشار الأمية والتضييق السياسي والرقابة والممنوعات أو المحرمات الأخلاقية والدينية التي تحد من انتشار القراءة، وبالتالي تحد من انتشار المعرفة والارتقاء بالوعي الجمعي.

لماذا اخترتَ هذا الموضوع تحديدًا؟

لأنني أحبه جدًا، ولديّ فيه الكثير من المعلومات العميقة والموثقة والجادة علميًا والتي اعتبرها مفيدة للارتقاء بالذهن العربي، وطرق التفكير العلمي لديه، والتي توسع من مداركه ومعلومته العلمية الرصينة في هذا المجال الصعب والشائك؛ حيث قمتُ بعملية تبسيط مرهقة للغاية للنصوص العلمية واستبعدتُ المعادلات الرياضية الصعبة وغير المرغوبة من قبل القراء.

حدثنا بالتفصيل إن أمكن عن كتابك “الكون أصله ومصيره”.. أصارحك أن الاسم جريء؛ فهو يشبه السؤال الفلسفي المشهور” من أين أتينا، وإلى أين نذهب؟”، لكن الفرق هنا أنك تستخدمه في مجال العلم الصارم؟!

فكرة الكتاب تتلخص بمحاولة إعطاء أجوبة على تساؤلات وجودية جوهرية دينية وفلسفية وعلمية يطرحها الإنسان على نفسه في كل مكان وزمان؛ من خلال عرض وتلخيص النظريات العلمية الفيزيائية عن الكون وبلغة مبسطة ومفهومة من قبل الجميع، ولقد تضمن الكتاب نصوصًا تتحدث عن أصل الكون، وعمره ومعماريته وهيكيليته وتطوره، والمصير الذي ينتظره بعد مليارات المليارات من السنين، والغوص في مفاهيم علمية؛ كفرضية تعدد العوالم وتعدد الأكوان، وشرح مفهوم الفراغ الكوني، ومكونات الكون المرئية والخفيّة: كالمادة السوداء والطاقة المعتمة أو الداكنة والثقوب السوداء الخ.

تبسيط فروع العلم في الغرب أمر مألوف، ويُسلط عليه الضوء باهتمام جارف، هناك، مثل بول ديفيز، وكتبه المشهورة في تبسيط نشأة الكون، والنظريات المطروحة لمناقشة هذا اللغز.. أنت تفعل هذا في كتابك الكون أصله ومصيره، وهي تجربة تستحق منا الثناء والتقدير والمتابعة أيضًا.. كيف يمكن أن تساعد أنت وأمثالك من الكتّاب والمفكرين والعلماء في خلق أرضية علمية تهتم بالعلم، وتخرجه من قاعات المختبرات، إلى فهم القاريء العادي؟ بمعني أدق: لو طُلب منك أن تضع خطة لفعل هذا بشكل منهجي علمي فما هو تصوركم لتحقيق ذلك؟

من تقاليد الغرب إشاعة العلم والمعرفة والثقافة، بكل السبل والوسائل وأهمها الكتاب؛ لذلك هناك حركة تأليف ونشر وترجمة لكل أنواع الكتب العلمية بعد تبسيطها وعرضها بلغة ميسرة وسهلة على القراء بمختلف مستوياتهم التعليمية، ولكن للأسف لا توجد مثل هذه المحاولات أو هي نادرة جداً في العالمين العربي والإسلامي؛ لأن القائمين على ميادين الثقافة يخشون من انتشار المعرفة العلمية الحقيقية خوفًا من تصادمها مع المعتقدات السائدة.

ومن هذا الهم وهذا المنطلق تأتي مبادرتي لتأليف هذا الكتاب وسأتبعه بكتاب آخر أكثر عمقًا عن نفس الموضوع سينشر قريبًا في نفس دار النشر الألكترونية، وعنوانه “الكون الحي بين الفيزياء والميتافيزيقيا “؛ بغية ترسيخ وتعميق التفكير العلمي ومحاربة العقل الخرافي، وتشجيع الأذهان على طرح الأسئلة الجريئة كما هو حاصل في الغرب المتطور، وآمل أن ننجح في ذلك، ولو أتيح لي أمر تخطيط منهجية علمية؛ لأوصيتُ باختيار مجموعة من الكتب المهمة في مجالات الفيزياء والرياضيات وعلم الحياة أو الأحياء والكيمياء والكتب التكنولوجية، لترجمتها وشرحها وتبسيطها؛ لكي تكون تحت تصرف الشباب الطموحين لاكتساب المعرفة العلمية الحقيقية من مصادرها الحقيقية .

مصدر يمكنه مساعدتك فى النشر الإلكتروني: اضغط هنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s