أيها الكاتب البائس: مرحباً بك في العالم الجديد

في كتاب للراحل محمود السعدني تحدث فيه عن صديق له موهوب في كتابة القصة، ثم ترك هذا لممارسة مجال دراسته بالطب.
هذه القصة تحدث كثيراً في عالمنا العربي. هناك استخفاف بالموهبة عموماً. ستجد مثلاً جمل صارت اكليشيهات مرعبة حقاً، مثل” الأدب لا يؤكل عيشاً”، ” أنا أكتب لنفسي”، ” أكتب من أجل التعبير عن ذاتي الحائرة”…. الخ.
وسؤالي هنا: لو كنت تكتب لنفسك فلماذا تخبر أصدقاءك عن كتاباتك؟
إذا كان ما تكتبه يحقق لك نوعاً من التوازن النفسي، فلماذا تصدع خلق الله بما كتبته، وتطلب رأيهم فيه؟
وهذا الموقف حدث مليون مرة على الأقل من قبل: يدخل الأب إلى حجرة ابنه أو ابنته فيجد أن فلذة كبده منكبّ على قراءة كتاب بتركيز، أو يكتب شيئاً ما لا علاقة له بدراسته، فينصحه بأن يترك تلك الأوهام والضلالات؛ لأنها لا تجدي شيئاً.
حتي الكتّاب الكبار ينظرون للمستقبل بقلق. نجيب محفوظ كان موظفاً حتى خرج على المعاش. نفس الأمر لطه حسين. الوحيد الذي خرج على العرف هو العقاد، والذي كان يعمل حراً من قيود الوظيفة، وكان طه حسين يغبطه على هذا.
الكاتب الراحل أنيس منصور كان يقول بأنه لو كتب بالإنجليزية لصار مليونيراً، ولم يكن مبالغاً. الكاتب هناك يصنع مستقبله بمجرد صدور كتابه الأول أو الثاني. طبعاً الأمر لا ينطبق على الكلّ، فأزمة الكاتب الذي يبحث عن مكان له على خارطة النشر موجودة في كل مكان، لكن ما الفرق بيننا وبينهم؟
الفرق الوحيد أنهم يتعاملون مع الأمر بجدية بالغة. الكتابة مهنة محترفين أولاً. مهنة تفتح بيتاً، وتؤسس مستقبلاً، وتحقق للناشرين ملايين الدولارات.
بينما هنا نتعامل مع الأمر بعشوائية جديدة، دون تخطيط أو رؤية منهجية للمستقبل، وخطوات محددة تتحقق على أرض الواقع.
والسبب- كما أرى- يعود إلى أن عملية النشر صارت تجارة شرسة في المقام الأول. من أجل أن تنشر كتاباً فعليك أن تخوض ملحمة إغريقية جديرة بالتدوين. الناشر يقوم بامتصاص دمك على مهل. كل شيء بثمن. ثم تجد بعدها من يتبجح بأنه دخل هذا المجال من أجل أن يتيح الفرصة للشباب من أجل أن ينشروا إبداعاتهم من غير قيود. ادخل لصفحات دور النشر على الفيس بوك، وستجد أن كلامهم شبه متطابق. نفس النغمة التي توحي بأنهم لا يبحثون عن الربح. المهم هو الرسالة. وهو تناقض وازدواجية مخيفة لا تنفع أحداً بشيء. فلتكن صادقاً وصريحاً. أنت تاجر. اعترف بهذا. من حقك أن تربح، كما من حق الكاتب أيضاً. لماذا تعامله باستخفاف وقلة احترام، وكأنك ملكت مصيره لمجرد أنك ستنشر له كتاباً؟
طبعاً هناك استثناءات، لكن الغالب ما دام هكذا، فطبيعي أن يكون الواقع الثقافي والعملي الخاص بالنشر سيئاً للغاية.
طبعاً تضاعفت صعوبات العملية بدخول الإنترنت، وتصوير الكتب ومسحها ثم رفعها على الشبكة العنكبوتية.
النشر الألكتروني يلغي كل هذا.
أنت تتعامل مع العالم كله. ولو كنت موهوبا في الكتابة، ولديك لغة أخرى تستطيع التعبير بها، فأنت محظوظ. لقد أضفت رقعة جغرافية جديدة لك.
منذ سنوات قليلة كان الهاتف المحمول في العالم المتحضر، ثم دخل مصر، واليوم من الصعب أن تجد من ليس لديه واحداً. الكمبيوتر صار اليوم في كل بيت مثله مثل التليفزيون والدشّ، وكذلك الإنترنت. وقريباً جداً سيكون النشر الألكتروني هو السائد في العالم. ليس خياراً. بل سيكون هو الأغلب. هناك جيل جديد من القرّاء لا يمسكون كتاباً بأيديهم. جيل من القرّاء يأخذ معلوماته، ويبني ثقافته من هناك.
النشر الألكتروني صار اليوم حقيقة ملموسة، ويتبقي فقط أن نتعامل مع على أساس ذلك، وأن نفكر بجدية المحترفين أن نرسخ له أرضية صحية وجدية في عالمنا العربي، بدلاً من أن يُصاب كتّابنا باليأس؛ فبينما العالم كله يتقدم للأمام، نجلس نحن” محلك سرّ” نندب حظنا، ثم نرفع أصواتنا بأن الأدب لا يؤكل عيشاً.
بأيدينا، لا بيد عمرو!
………………….
في التدوينة القادمة سنتعرف على حكاية جون لوك..
كلا.. ليس الفيلسوف الشهير..
وليست الشخصية الأكثر شهرة في المسلسل الأمريكي Lost
كلا… إنه….
لكنها تدوينة أخرى.

7 أفكار على ”أيها الكاتب البائس: مرحباً بك في العالم الجديد

  1. أسلوبك رائع يا مغمور، يُغري بمتابعة المدونة باهتمام لمعرفة ما ستعرضه في المرة القادمة
    جميل اهتمامك وبحثك في عالم النشر الألكتروني، والأجمل أن أرى تطبيقًا له يحمل توقيع “عارف فكري” 🙂
    ربنا يوفقك، وفي انتظار قصة “جون لوك”

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s