أحيانًا أسأل نفسي: لماذا اخترتُ الكتابة تحديدًا من بين كل المهن الأخرى؟ كان من الممكن أن أكون -على سبيل المثال- طبيبًا أو فواعليًا أو عامل مَحارة، أو نجارًا مسلحًا، أو صنايعي على عربة فول، أو عالم ذرة!
هذا سؤال معقد كما ترى، وسبب تعقيده أنه لا يوجد شيء دقيق ومحدد ومغرٍ لكي يدفعك دفعًا لهذا الطريق في عالمنا العربي، حيث للكتب رنين مختلف يرتبط في أذهان البعض بأنها عوالم خاسرة لمن يرتادها، سببًا في جنون البعض، وأن يطير برج التعقل الوحيد في حياتهم، أو يكونوا من تلك الفئة «التي ضيّعت عمرها في الأوهام» كما يقول بيت الشعر الشهير!
ناهيك عن أن الكتابة لا تُؤكل خبزًا كما يقولون، فلمَ يُضيّع المرء عمره فيها؟!
في ظني أني لو لم أكن قارئًا فلم أكن لأتحول إلى كاتب. إنها سبب ونتيجة، لكن ليس كل من قرأ يغدو كاتبًا في النهاية.
لكن كيف حدث هذا؟
كنت في الصف الرابع الابتدائي، وكنت قد أجدت الكتابة والقراءة إلى حد معقول منذ عام مضى، وكنت في مكتبة المدرسة التي تقع في قرية ريفية بسيطة في صعيد مصر، حين لمحت كتيبًا صغيرًا لفت نظري بغلافه المميز، والذي كان يحمل اسم «قضية القناع الملعون».
كان هذا أول لقاء لي بالقصص والروايات حسبما أتذكر، وأول لقاء بروايات مصرية للجيب.
قرأت العدد وغرقت فيه، ثم بدأت مسام شهيتي للقراءة تتفتح، حيث كان ذلك الكُتيّب هو الشرارة المقدسة التي جعلتني أغرق في عالم القراءة حتى النُخاع، وكان الدكتور نبيل فاروق -رحمه الله- هو السبب في عشقي للقراءة، حيث أدمنتُ قراءة رواياته وقصصه وسلاسله الشهيرة، مثل رجل المستحيل وملف المستقبل وكوكتيل 2000 وغيرها، ولفترة طويلة سيطر ذلك العبقري على تفكيري، حتى غدا بالنسبة لي أشبه بكائن أسطوري قادم من مجرة بعيدة، أو ساحر من طراز خاص يتلاعب بعقل المرء وقلبه.
ثم أتى من بعده الدكتور أحمد خالد توفيق -رحمه الله- بسلاسله الرائعة: ما وراء الطبيعة، وفانتازيا وسافاري، وغيرها. كنتُ أتتبع كتيبات المؤسسة العربية الحديثة في كل مكان حول قريتي، ولم أكن أُمانع أن أسير على قدميّ لقرية أخرى حتى أُحضر بضعة كتيبات، وأتذكر أني أتيتُ مرة بمجموعة محترمة من الكتيبات، قد تتعدى الـ20 كتيبًا، وأنهيتها في أيام قلائل.
ربما يكون أحد الأسباب التي جعلتني أدخل عالم الكتابة بدون قصد هو غيظي من الدكتور نبيل فاروق، والذي كانت رواياته تتسم بالتشويق الشديد والتلاعب بالأعصاب، حيث يحيط الغموض ببعض شخصياته، وأذكر أن شخصية السنيورا في سلسلة رجل المستحيل قد شيّبَتني وشغلت بالي حتى أعرف حقيقتها، حتى أنني كتبتُ جزءًا من رواية أُحاكي فيها أسلوب نبيل فاروق، بطريقة كتابته وقفلاته الحرَّاقة المشوّقة، في محاولة مني لإرواء فضولي المتعطش لفكّ غموض تلكم الشخصية. وتحديدًا منذ العدد رقم 105 (عقارب الساعة)، حيث ظهرت شخصية السنيورا الغامضة، والتي أصابتني بالجنون، وفضول جارف بداخلي يشتعل كبركان لمعرفة من هي!
هذا ما دفعني لكتابة رواية أكشف فيها غموض هذه الشخصية، حيث جعلتها ناديا رابينوفيتش، والتي ظهرت في العدد الخاص المتميز جدًا «أسير الثلوج»، وتخيلت أنها قضت وقتًا في سيبيريا قبل أن تهرب وتنتقم. كان استنتاجي خاطئًا، فلم تكن السنيورا إلا الفرنسية كلوديا موريس، والطريف أنها قضت فترة صعبة في معتقل سيبيريا بالفعل قبل أن تغدو السنيورا!
أي أن استنتاجي لم يكن خاطئًا بالكلية! والأكثر طرافة أني لم أُكمل الرواية، بل شعرت بالملل والإرهاق وأنا أُقلّد أسلوب نبيل فاروق المميز!
حتى تلك اللحظة فأنا لم أفكر جديًا في امتهان الكتابة، فقد كانت مجرد محاولات مراهق، يشغل وقته في التفكير في المستقبل وماذا سيكون فيه. تعددت مجالات ما أقرأ فيه، فلم أترك مجالًا إلا وقرأت فيه شيئًا، لكن المجال الأكبر الذي قرأت فيه هو الرواية والقصة بطبيعة الحال.
أثناء قراءاتي المتشعبة والمختلفة كنت أشاهد بنَهم المسلسلات والأفلام الأجنبية، والتي كانت تُعرض في «نادي السينما»، يوم الجمعة الساعة الثالثة والربع تقريبًا على القناة الثانية، والذي كان يقدمه الراحل المثقف «يوسف شريف رزق الله». وفُتنتُ بهذا العالم، وشرعت شيئًا فشيئًا في كتابة السيناريو. بعد أن انتهيتُ من سنوات الكلية وجدتُ أنني سأغدو كاتبًا للسيناريو، وهذا ما جعلني أُعدّ حاجياتي وأُسافر إلى القاهرة لأستقر بها، جريًا وراء حلمي في أن أكتب فيلمًا يحقق نجاحًا مبهرًا، وأشتري فيلا في منطقة راقية!
هكذا كانت أحلامي، لكنها اصطدمت بقسوة الواقع في القاهرة وصعوبته، فلم يتحقق هذا الحلم بالضبط، لكن هذا لم يمنع من عملي ككاتب سيناريو في ورشة سيناريو خليجية، حيث رحت أكتسب خبرة كبيرة من خلال عملية التحرير والتعديل، حتى صارت كتابة السيناريو بالنسبة لي من السهولة بمكان.
في عام 2006 تقريبًا -إن لم تخنّي الذاكرة- كنتُ مشتركًا في منتدى لدار نشر على الإنترنت. تعرفون هذه المنتديات التي يمكن لمن يمتهن الكتابة أو حتى يزاولها من باب الهواية أن ينشر فيها نصوصه، قد تكون هذه النصوص خواطر أو قصائد، أو قصصًا قصيرة، أو حتى خربشة غير محددة المعالم، يتحسس صاحبها الطريق بوجل.
كنتُ أنشر على ذلك المنتدى بعض النصوص، وذات يوم راسلني أحد أعضاء المنتدى، والذي كان يُعلّق على نصوصي مشجعًا إياي، وعرض علىَّ كتابة مقالة لموقع «بص وطل».
كان موقع بص وطل ملءَ السمع والبصر، وكان يكتب فيه كتّاب كبار مثل الدكتور أحمد خالد توفيق، وغيره.
كانت المقالة -حسبما أتذكر- عن مسلسلات رمضان، وأذكر أن أجري كان 125 جنيهًا.
لكم أن تتخيلوا فرحتي؛ الكتابة يربح منها البعض إذن، وهذا كان أشبه ببوابة سحرية راحت تنفتح لي عن مصراعيها، لكن ببطء شديد.
استمررتُ في الكتابة لدى موقع بص وطل، في موضوعات فنية وثقافية، والحقيقة أنها كانت تجربة ممتعة وثرية، كنت أذهب لمقر المجلة الإلكترونية في مصر الجديدة لأستلم مستحقاتي المالية، وكان قلبي ينتعش من السعادة في كل مرة أذهب فيها لاستلام أموالي.
في تلك الفترة كان عالم العمل بالقطعة (Freelance) يفتح أبوابه في العالم العربي، وأظن أنني أحد الأوائل الذين عملوا فيه.
في نفس العام بدأتُ تجربة جديدة في عالم الكتابة، وهي كتابة السيناريو، أو بمعنى أدق: الربح من كتابة السيناريو، حيث كان ذلك أحد أسباب انتقالي للقاهرة.
قبل هذا العام بسنوات كنتُ قد جربت نفسي في عدة محاولات لكتابة سيناريو، وبما أني شغوف بمشاهدة الأفلام والمسلسلات العربية وغير العربية، فقد كان من المُمتع والمُتعب معًا أن أخوض تجربة كتابة سيناريو.
في عام 2006 أو 2007 أُتيح لي أن أتعرَّف على منتج، والحقيقة أنه كان ملتزِمًا ودمث الأخلاق، صحيح أن أجر الكتابة نفسه كان منخفضًا، لكن هذا غير مهم.
المهم أن مصدرًا من مصادر الدخل قد أُضيف إلى مصادري بجوار الكتابة في موقع بص وطل.
كانت طريقة العمل أن تُعرض علىَّ أعمال مكتوبة فأقوم بتحريرها أو قراءتها لتحديد مستواها، أو حتى أُعيد الكتابة من جديد.
كتابتي للمقالات راحت تتوسع فيما بعد، ورحتُ أكتب في مواقع متعددة مقابل أجر، وليس كموظف.
لم تكن كتابة المقالات وكتابة السيناريو هما المصدرين الوحيدين للدخل، بل أُضيفت إليهما مهارتان جديدتان: التدقيق اللغوي، والتحرير الأدبي.
وهذا يحتاج لمزيد من التفصيل.
في البداية أحب أن أؤكد أن دخولي لهذه المجالات المتنوعة، والتي تصبُّ في بحر الكتابة فقط، كان من خلال الممارسة الفعلية، والتعلُّم الذاتي، الذي أعتبره أكبر مُعلِّم.
بدأتُ في طريق التدقيق اللغوي، وهو تدقيق النصّ أيًا كان -إملائيًا ونحويًا- بينما التحرير الأدبي شيء مختلف إلى حدٍ كبير.
التحرير الأدبي هو قراءة النصّ، وإدراك عيوبه ومشاكله، سواء أكان النصّ بطيء الإيقاع، أو مملًا، أو غير مقنع، أو مهلهلًا من حيث السرد، مفكك إلى درجة البؤس، أو أن الشخصيات غير مقنعة، أو مسطحة بلا عمق أو دوافع، أو حتى غير منطقية في تصرفاتها، إلخ.
التحرير الأدبي -ببساطة- هو صقل النصّ بشكل يجعله قويًا ومُحكمًا، وكنتُ أقوم بعمل تقرير للكاتب فيه كل المشاكل، بحسب رؤيتي لها، ونصائحي لتقويته ورفع مستواه.
أغلب عملي كان في الرواية، بحكم عشقي لها، لكن هذا لا يمنع أني عملتُ في تحرير بعض النصوص القصيرة.
أحيانًا كان عملي يتعدى مرحلة كتابة تقرير فقط، بل يتجاوزه لتعديل فقرات بعينها، أو إعادة كتابة لبعض الأجزاء، أو حتى إضافة أجزاء جديدة تنتمي للعالم الأصلي للرواية والأحداث.
وما زال عملي حتى الآن يصبُّ في عالم الكتابة، وأرجو أن يدوم ذلك.
