كيف تبيع كتابك الإلكترونى بنفسك؟

نعم، يا صديقي، يمكنك أن تبيع كتابك الإلكتروني لنفسك، دون أن تعتمد على أية دور نشر ورقية أو إلكترونية. أنت ستكون ناشرًا لما تكتب، دون أن تقع تحت رحمة أحد، أو شروطه المجحفة.

سأتكلم هنا عن النشر الإلكتروني، وكيف تتحكم في العملية بأكملها؛ وهذا لأنه أكثر سهولة من عملية النشر الورقى.

الخطوة الأولى: أعدَّ مخطوطك جيدًا. سواء أكان رواية أو مجموعة قصصية. احرص على أن تكون قد حررته جيدًا. هناك مقالة مفصلة هنا تشرح لك هذا الموضوع بالتفصيل.

الخطوة الثانية: احرص أن يكون كتابك قد تمَّ تدقيقه لغويًا بشكل جيد. تعامل مع الكتاب الإلكتروني بنفس الاحترام الذي تتعامل به مع كتابك الورقي. لو كنت تحتاج إلى من يقوم لك بهذه المهمة من خلال هذا الرابط.

الخطوة الثالثة: لابد من غلاف جيد، ومعبر عن كتابك. لو كنت تحتاج إلى من يقوم بذلك: اضغط هنا.

الخطوة الرابعة: بعد أن تنتهى من كل العمليات السابقة؛ فمن المهم جدًا أن توفر عينة مجانية للقاريء، حتى يتذوق كتابتك، ويرى إن كانت ملائمة له أم لا. إذا أعجبه المذاق، فربما يقوم بشراء كتابك دون تردد.

الخطوة الخامسة: كيف تقوم ببيع كتابك إلكترونيًا؟ أبسط طريقة: من خلال إرسال نسخ إلكترونية للمشترين عبر البريد الإلكترونى. ستسألنى: وماذا عن طرق الدفع؟

حسنًا، ركز معى جيدًا.

إذا كنت تقيم بمصر فلديك:

فودافون كاش. وهى وسيلة ممتازة، وأنا أستخدمها؛ لسهولتها، ولسرعتها الشديدة. تستطيع عمل حساب مجاني على رقم فودافون مسجل باسمك، ثم تستطيع إرسال النقود واستقبالها بضغطة زر على هاتفك المحمول. الرقم الواحد يتيح لك استقبال خمسين ألفًا من الجنيهات شهريًا.

أما لو كان القاريء  لديه كريديت كارد أو باي بال؛ فقد حُلت المشكلة.

للقرّاء خارج مصر

أما بالنسة لمن يقيمون في الخارج؛ فأنت ستعتمد على طريقتين: الباي بال والكريديت كارد.

وهنا يمكنك أن تستخدم منصة Paddle، والتي تأخذ نصف دولار+ 5% من سعر المنتج. من مميزات هذه المنصة أنها ترسل لك مبيعاتك شهريًا، من خلال 3 طرق:

عبر حسابك على الباي بال.

عبر بايونير.

عبر التحويل البنكي.

على الهامش:

طبعًا يمكنك أن تبيع أي شيء، وليست الكتب فقط، من خلال الطرق السابق ذكرها.

هل هى نهاية الكتاب الورقي؟

-1-

في أحد كتبه تكلّم المفكر الإسلامي محمد الغزالي” عن قصة بني إسرائيل، الذين رفضوا قتال الظالمين؛ فكان الحكم عليهم أن يتيهوا في سيناء أربعين سنة! وكان تفسيره أن الجيل الجبان سيزوي ويموت خلال تلك الفترة، وينبت جيل جديد شجاع، لم يترب على خوف الأسلاف. ما علاقة هذا بالكتاب الورقي؟ ستعرف هذا حالًا.

-2-

من الصعب قتل العادات. تعلم هذا جيدًا. عندما انتقل المطربون من التخت الشرقي التقليدي، لفرقة تقف وراء المطرب/ المطربة كان هذا تقليدًا جديدًا، ورُفِضَ من البعض. الأشياء الجديدة تُعامل بحذر بالغ، وربما رفض عنيف، لكن سرعان ما ترّسخ أقدامها في تربة الواقع، وتغدو شيئًا لا يمكن الاستغناء عنه إلا بصعوبة. هذه هي سنة الحياة. أعتقد أنك بدأت تفهم ما أريد قوله، والأمر يحتاج لمزيد من التوضيح.

-3-

والآن، أخبرني: كم سنك؟ لو كنت في الثلاثينات أو ما فوقها؛ فأغلب الظن أنك من عُشّاق الكتاب الورقي. لو سألتُكَ ما سرّ شغفك به-هذا لو كنت قارئًا عتيدًا في الأصل-ستقول: بأن رائحة الحبر، وملمس الورق. حسنًا، هذه هي النوستالجيا يا صديقي، أو الحنين للماضي. أعتقد أنك بدأتَ القراءة في سن مبكرة، وارتباطك بالكتاب الورقي قادم من هناك. اصدقني القول: ألا تقرأ الكثير من البوستات على الفيس، والكثير من المقالات، والكثير جدًا من الأخبار، مع كمّ هائل من النكات المضحكة والسخيفة. الحقيقة أنك تتحول، تتغير من حيث لا تدري، وربما بدأت علاقتك بالكتاب الورقي تقل بمرور الوقت. كيمياء عقلك ذاتها تتغير. لا تنكر هذا. ربما تنفر من قراءة كتاب إلكتروني ضخم على الكمبيوتر، وتؤجل هذا حتى تشتريه ورقيًا، لكنك-فيما عدا ذلك-تقرأ الكثير والكثير.

-4-

لابد أنى متحمس قليلُا، حتى أطرح هذا السؤال: هل هى نهاية الكتاب الورقي؟ ربما. دعنا نفكر في الأمر بشكل منطقي. لن أقول لك بأن الغرب المتقدم يقرأ كثيرًا على أجهزة القراءة الإلكترونية، ناهيك عن العديد من تطبيقات القراءة المتاحة على الهواتف النقالة، والأجهزة اللوحية. لن أقول هذا. لكن أخبرني: كم كتابًا اشتريتَ من معرض الكتاب السابق، والذي انتهت فعالياته في القاهرة منذ فترة قصيرة؟ ليس الكثير كما أظن. الكتب صارت مرتفعة الثمن بشكل مهول، وحتى الكتب المقرصنة أصابها نفس السعار. هل من الممكن للكتاب الورقي-في ظلّ هذا الغلاء-أن يستمر؟ إنه يحتاج لكميات هائلة من الورق، والورق ارتفع ثمنه بطبيعة الحال، دعك من حركة القرصنة التي تعمل بدأب مثير للغيظ والإعجاب في ذات الوقت، والكتاب الذي يبُاع بمائة جنيه، قد تجده بنصف هذا الثمن في مطبعة تحت السلّم، وتوزّع أفضل من بعض دور النشر الورقية الكبرى.

-5-

الشباب الآن-من يقرؤون منهم-يتعاملون بيسر وسهولة مع الشاشات اللامعة بالحبر الإلكتروني. شاشات الهواتف النقّالة، الأجهزة اللوحية، وقريبًا لن تجد وجودًا لأجهزة الكمبيوتر المنزلي، أو أجهزة اللاب؛ فهل تعتقد أنه سيوجد الكتاب الورقي؟ نعم، قد توجد دور نشر ورقية في المستقبل تقوم بنشر طبعات محدودة وخاصة من باب الاحتفاء بالكتاب الورقي، وتوفيره لعشّاق الماضي، وربما يتم بيع نسخ ورقية في مزادات علنية بملايين الجنيهات. لا تستبعد شيئًا. لكن هذا يجرُّنا للسؤال الأساسي هنا: لماذا نطرح هذا السؤال؟

لعدة أسباب أُجملها هنا:

الأول: من الصلب للسائل للبخار، هكذا تتميّع الأشياء وتتحول. ومن الكتابة على جدران الكهوف، إلى الصخور التي عانى الأقدمون من أجل الكتابة عليها، إلى المخطوطات المصنوعة من جلود الحيوانات، ثم ورق البردي، وإلى الحدث الأكبر والذي تحقق على يديّ الألماني جوتنبرج عندما صنع ماكينة طباعة، ثم نحن الآن نقرأ بأعيننا، بينما يختفي الحبر الإلكتروني خلف شاشة مضيئة. هذه طبيعة الأشياء، قبلناها، أم رفضناها. الكتاب الورقي ستأتي نهايته عاجلًا أم آجلًا، وإن لم يكن فى هذه الحقبة؛ فستكون الحقب التالية، بينما الكتاب الإلكتروني الآن يرسخ أقدامه جيدًا. صحيح ليس بالسرعة المطلوبة كما حدث في أمريكا وأوروبا، لكن لا بأس. كل شيء سيأخذ وقته.

الثاني: قد يُعدُّ الكتاب الإلكتروني حلًا لغلاء الورق، وقرصنة الكتب فور صدورها، وإتاحة نسخ ورقية مشوهة، وأخرى رقمية. تخيّل لو أن كاتبًا مثل ” محمد صادق” مثلًا-بغضّ النظر عن أهمية ما يكتب-قرر نشر رواية إلكترونية بشكل رقمي، قبل صدورها ورقيًا بأربعة أشهر مثلًا. ما الذي يمكن أن يحدث؟ أعتقد أن شريحة كبيرة من محبيه ومتابعيه ستقوم بشرائها.

الثالث: تخيل موسوعة كبيرة مثل” الأغاني” “لأبى فرج الأصفهاني” لو قررت دار نشر طباعة ألف نسخة مثلا، بأجزائه الكثيرة؛ فكم سيكلف هذا من المال. لكن لو تم إعداد نسخة إلكترونية مريحة للعين، من خلال تطبيق قراءة مناسبًا، وعُرِضَ بسعر زهيد؛ ألن يكون هذا حلًا مقبولًا وفعالا؟ لن تجد صاحب دار نشر ورقية، يخبر المؤلف أن الكتاب ضخم، أو مكلف، أو يجب تجزئته، أو حذف بعض الصفحات منه. كل هذه المشاكل لا توجد في النشر الإلكتروني.

الرابع: لن تحتاج إلى تخصيص غرفة من أجل مكتبتك. لن تُعاني الأمرّين في دفع الكثير من أجل الخشب، وعمولة” الصنايعية”، وإرهاق نفسك بميزانية ضخمة من أجل إكمال مجموعتك. جهاز قراءة واحدًا-وليكن كندل أمازون مثلًا-يمكنه أن يحوي مكتبة ضخمة، وبأبخس الأثمان!

الخامس: من الأشياء الجميلة في تطبيقات القراءة أنها تحتوي على قواميس لغوية؛ ففور أن تضغط على كلمة ما ستجد معانيها ومرادفاتها، أيضًا يمكنك إضافة ملاحظاتك على مربعات فارغة أُعدت خصيصًا من أجل، ومن ثمَّ فلن تقضى وقتك في “الخربشة” بقلمك الرصاص على صفحات الكتاب الورقي؛ لتحوله لمخطوطة غامضة جديرة بخبير مخضرم لكي يفكّ رموزها!

لهذه الأسباب أري أن الكتاب الورقي نهايته قادمة حتمًا.

كيف تحرر روايتك فى 13 خطوة؟

مهنة” المحرر الأدبي” ليست معروفة في الوطن العربي مثل مثيلتها في الغرب. صحيح أن بعض دور النشر تقول إن لديها بعض المحررين، أو أن يكون صاحب الدار نفسه محررًا، لكن نظرة متأنية على الأخطاء الكثيرة الموجودة بالمنشورات قد تجعلك تتوجس من أن حتى مفهوم” المحرر الأدبي” ليس واضحًا جدًا كما يبدو.

ثمة محرر أدبي أسطورة يُدعي” ماكس بيركنز“، كان يقول بأن مهنته هي توصيل الكتب الجيدة للقرّاء. حسنًا، هذه هي مهمة المحرر بالضبط.

قد تسألني بفضول:

“من هو المحرر الأدبي أصلًا؟”

المحرر الأدبي هو الشخص الذي يقوم بصقل الكتاب، والعمل على إضافة ما يجب إضافته، وحذف ما يجب حذفه من وجهة نظره، بحيث يغدو النص أكثر قوة ومتانة وجاذبية. الحقيقة أن القاريء يُدرك مشاكل النصّ قبل غيره، وخصوصًا المتمرسين منهم؛ فتجد قارئًا يخبرك بضيق أن النصّ ممل، أو غير جذّاب.

 آخر يخبرك بأن الحوار طويل جدًا، أو قصير جدًا، أو غير مُعبّر. قاريء ثالث يعلن ضجره من كثرة الشخصيات التى تجعله يضيع وسط الصفحات، وهو ما يجعله يضيق بهذا، وربما يغلق الكتاب في منتصفه.

الحقيقة أن كل محرر أدبي لابد أن يكون قارئًا، ولابد أن يكون ذوّاقة، بحيث يُدرك مواطن الخلل فيما يقرأه، ولابد أن يكون نشيطًا، بحيث يقرأ العمل أكثر من مرة، ويشرع فى صقل النصّ وتشذيبه، بلاغيًا، ولغويًا، وإملائيًا.

لكن “المحرر الأدبي” ليس هذا فقط؛ إذ أن دوره يتجاوز هذا بكثير. قد يكون هناك أحد الكُتَّاب فى حيرةٍ من أمره، يبحث عن فكرةٍ لكتابة الجديد، وهنا يُهرع المحرر إليه بالعديد من الاقتراحات التى تصنع عصفًا ذهنيًا، وتنشّط ملكة الخيال لديه.

 قد تكون الفكرة موجودة، لكن تنقصها الحبكة؛ فيقترح المحرر بعض الأمور، قد تكون الحبكة موجودة، لكن تتبقي بعض المعوقات؛ كالبداية، أو النهاية.

 المحرر الأدبي هو الجندي المجهول وراء خروج العمل، يقف بجوار الكاتب، ويعينه، ويساعده، ويشدُّ من أزره. يمكنك معرفة الكثير عنه من خلال هذه المقالات:1، 2، 3

للأسف-كما أسلفتُ-مهنة المحرر الأدبي غير موجودة فى الوطن العربي بشكل كبير؛ لأسباب عديدة، منها ما هو متعلق بقناعات بعض الكتّاب، أنه لا يجوز لأحدٍ أن يقرأ نصه، ويُعدّل فيه، برغم أن هذا يصبُّ فى مصلحة الكاتب أولًا، ومصلحة القاريء ثانيًا.

 فى الغرب يُكتب اسم المحرر، ويحوز على احترام هائل، بين أوساط النشر والأدب.

بعد هذه المقدمة-التي أرجو ألا تكون قد طالت-يمكن أن ندخل فى صلب الموضوع مباشرة.

قد تكون روائيًا، أو قاصًّا، وقد انتهيتَ من عملك الإبداعي، أو فى طريقك للانتهاء منه، ولستَ تملك من المال ما يجعلك تستعين بمحرر أدبي؛ فيمكنك إذن أن تخلع قبعة المبدع، وترتدي قبعة المحرر، وتشرع في تنقيح كتابك، والعمل على تحريره بشكل مكتمل.

 الموضوع ليس بهذه السهولة طبعًا، ويستدعي منك أن تكون صبورًا، وصاحب نفس طويل، حتى تنتهي من هذه العملية.

لن أتحدث عن التحرير فى كل أنواع الكتابة، لكن سأتكلم هنا عن تحرير الرواية فقط، بما أنه تخصص عملى كمحرر أدبي.

 لاحظ هنا أن مهنة” التحرير الأدبي” مهنة مرنة لأقصى حد، وكل نصّ له ظروفه الخاصة، وما يتطلبه من تغييرات. لكنى هنا سأتحدث عن خطوات عامة، وعليك أن تكون منفتحًا لعمل تغييرات، بما يكفل لنصَّك القوة والمتانة والبهاء.

فلنبدأ.

الخطوة الأولى

اقرأ افتتاحية روايتك جيدًا. ضع نفسك مكان القاريء. هل تجدها مشوقة وجذابة، هل تستثير خيالك، وتجعلك تفكر فيما هو آت؟

 لو وجدت المقدمة خاملة، غير مشجعة على إكمال القراءة؛ فهو ناقوس خطر إذن، يدقُّ فى رأسك محذرًا، ومن ثمَّ عليك أن تقوم ببعض التغييرات.

 هل يمكن أن تضيف مشهدًا افتتاحيًا مثيرًا، يبدأ بحدث صادم، مروّع، وغامض، ثم ينتهي بالأحداث التي تؤدي للمقدمة الخاملة؟

لو استطعتَ فعلها فأنت عظيم، لو لم تستطع فيمكنك أن تقتطع من نسيج الرواية مشهدًا يؤدي نفس الغرض، وتضعه فى المقدمة.

لا تنس: أن مقدمة جذّابة وسريعة، ولاهثة، ومليئة بالغموض، قد تقفز بأسهم روايتك لعنان السماء.

الخطوة الثانية

اقرأ روايتك بصوت عالٍ. الغرض من هذا أن تعرف إن كانت هناك بعض الجمل غير المستساغة، التى لا تحبها الأذن. ستجد أن هناك جمل بلاغية غير محببة، تناقضات، ربما تعبيرات غير مألوفة. قراءة النصّ ستمنحك القدرة على ضبط الإيقاع بشكل جيد. قم بتصحيح هذه الجمل بما يناسبها.

لا تنس: قراءة النصّ قد تفتح لك أفاقًا في استكشاف نصّك بشكل إيجابي.

الخطوة الثالثة

عندما تنظر فى روايتك بعين المحرر قد تجد أن ثمة شخصيات متكررة فى طباعها، باختلاف الأسماء.

 حسنًا، قم بحذفها فورًا.

 ولكي تتجنب الخلط الذي يمكن أن يحدث فى سرد الأحداث؛ فيمكنك أن تدمج بعض الشخصيات فى بعضها البعض. يفعلون هذا في الأفلام والمسلسلات؛ لتجنب التكلفة، لكن على الورق عليك أن تحافظ على تركيز القاريء، وعلى وقته؛ فلا تشتته بشخصيات كثيرة سرطانية، تصيبه بالدوار، وتجعله يضيق بما كتبته.

لا تنس: شخصيات قليلة، متباينة الصفات، تؤدي تأثيرًا أفضل من شخصيات عائمة، متكررة بطول الصفحات.

الخطوة الرابعة

أنت-ككاتب-تملك مخزونًا معينًا من الكلمات. هذا المخزون أخذته من قراءاتك، وسوف تستخدمه فى كتاباتك بكل تأكيد، لكن ثمة مشكلة.

ستجد أن هناك بعض الكلمات المتكررة بشكل مستمر فى صفحات الرواية. حاول أن تجد كلمات أخرى تؤدي نفس المعنى. لغتنا العربية ملآنة بها، وسوف تساعدك على إضفاء ثراء للنصّ.

لا تنس: ابتعد عن الكلمات المتكررة فى كل صفحة، وابحث عن كلمة تؤدي نفس المعنى.

الخطوة الخامسة

عند قراءة نصّك بشكل متأنٍ، قد تجد من الأفضل أن توضع هذه الفقرة فى أول الفصل السادس، وأن تُحذف هذه الفقرة من الفصل الثامن، وتوضع في نهاية الفصل الثاني.

 مسألة التقديم والتأخير مسألة فى غاية الأهمية. صحيح أنها مرهقة؛ لأنها تتطلب منك عمل بعض التغييرات، التى تجعل تدفق السرد منسجمًا في نسيجه، لكنها ستساعدك-حتمًا-على رفع مستوى النصّ.

لا تنس: التقديم والتأخير يكون ضروريًا أحيانًا؛ فلا تتكاسل عن فعله.

الخطوة السادسة

هذه التقنية من الأفضل أن تُفعل أثناء الكتابة نفسها، لكن لا بأس من فعلها أثناء عملية التحرير.

احرص على أن ينتهي كل فصل من فصول روايتك بشكل مشوّق وجذّاب، ويرفع نبضات قلب القارئ.

 يمكن فعل هذا عن طريق إضافة “قفلة” حادة غير متوقعة، أو مفاجأة مثيرة.

تخيّل أن روايتك عبارة عن مسلسل مكون من عدد معين من الحلقات، ويمكنك أن تتعامل مع كل فصل من فصولك على أنه حلقة في هذا المسلسل.

 أنت ترى أن المسلسلات المشوّقة، والتى تنتهي حلقاتها بشكل غامض، ويحبس الأنفاس من الإثارة وعدم التوقع تجعل المشاهد ينتظرها بشغف.

لا تنس: من الممكن أن تساعدك هذه التقنية على رفع درجة التوتر والتشويق، والقضاء على شعور الملل الذي قد ينتاب القارئ.

الخطوة السابعة

أصعب شيء على الكاتب أن يقوم بحذف فقرات-وقد تصل لصفحات، وأحيانًا فصول-من روايته التي تعب في كتابتها بكل أعصابه.

 حسنًا، قد تكون هذه خطوة صعبة، لكن ضرورية. هناك بعض الفقرات المترهلة، الزائدة عن الحاجة. الثرثرة فخّ ساحر يقع فيه بعض الكتّاب، لكن من الأفضل أن تقتصد بحيث تؤدي الكلمات دورها على أكمل وجه.

لا تنس: مقصّ الرقيب قد يكون ضرورة؛ لجعل النصّ أقوى.

الخطوة الثامنة

احرص أن يكون الحوار مُختصرًا، ومكثفًا. طبعًا الحياة الواقعية قد تجد فيها بعض الثرثارين الذين يمتلكون موهبة التحدث بدون ملل، ولديهم قدرة على جعل من يستمع إليهم لا يشعر بالضجر.

 حسنًا، قد تكون موهوبًا فى كتابة الحوار، ولديك قدرة هذا الثرثار، لكن الحوار من المفترض أن يؤدي وظيفة معينة، أن يدفع عجلة السرد للأمام، أن يُقدم بعض المعلومات بخصوص الشخصيات أو الأحداث بشكل واعٍ ومقصود.

لا تنس: اجعل حوارك مركزًا، مكثفًا كرصاصة تصوبها لخصمك على مسافة قريبة.

الخطوة التاسعة

هناك مسألة مهمة متعلقة بالتوازن، وهو أن تخلق نوعًا من التناغم والانسجام بين وحدات الرواية.

 على سبيل المثال:

 روايتك يمكن تصنيفها على أنها رواية مليئة بمشاهد الحركة، بطلها أحد رجال المخابرات، أو لصّ محترف، أو قاتل مجنون، أيًا كان؛ فحاول خلق توازن، يعتمد على بعض المشاعر العاطفية التى يتم وضعها بذكاء بين ثنايا السطور، ولا بأس بمسحة كوميدية خفيفة جدًا لا يُقصد بها الإضحاك، بقدر ما يُقصد بها “تلطيف” الجوّ المشحون بالتوتر والمفاجآت.

 ويمكن تطبيق الأمر على بقية أنواع الرواية؛ فأيًا كان موضوعها؛ فأنت تحتاج لأشياء أخرى لصنع توازن.

لا تنس: مسألة التوازن مهمة؛ لخلق نوع من التغيير والتجديد في روايتك.

الخطوة العاشرة

إذا كانت هناك بعض الجمل، أو الفقرات، أو الصفحات، او حتى الفصول التي يُفضَّل حذفها، فإن هناك مناطق في الرواية تستدعي منك أن تقوم بإضافة بعض التفاصيل إليها، التي تساعد القارئ على رسم صورة جيدة.

 خلاصة القول، أن تحذف ما تجده مترهلًا، ويبطئ من إيقاع الرواية، وأن تضيف ما يضيف بعض الرونق والبهاء لنصّك.

لا تنس: هناك فقرات يُفضَّل أن تضيفها للرواية، حتى تتسم بالوضوح، وحتى يضع القارئ نفسه داخل الجوّ المصنوع عبر ثنايا الأحداث.

الخطوة الحادية عشر

اقتصد في التحدث عن شخصياتك. والمعنى أن تتحدث عنها بما يخدم الرواية. مضى العهد الذي كان فيه المؤلف يصف البطل في صفحتين. صحيح أن هناك من يحب هذا النوع من الأدب-كأدب دستويفسكي، وبلزاك وتولستوي، وغيرهم-لكن الأغلبية تريد الوضوح، وذات الوقت الاقتصاد في إعطاء معلومات عن الشخصيات بما يخدم النصّ، ويدفع بالعجلة للأمام.

لا تنس: لا تقل كل شيء عن شخصياتك في بداية الرواية، إلا لو كان تحدثك عنهم بحرية واستفاضة سوف يخدم الرواية فيما بعد. الأمر راجع إليك.

الخطوة الثانية عشر

هناك روايات تبدأ بافتتاحيات عظيمة، لكنها تنتهي بنهايات سيئة للغاية. احرص على وضع نهاية تليق بروايتك. النهايات هي ما يتبقى في ذهن القارئ لفترة طويلة.

لا تنس: نهاية قوية، لا تُنسى، متسقة مع نسيج روايتك.

الخطوة الثالثة عشر 

الخطوة الأخيرة متعلقة بالتدقيق اللغوي، والقواعد النحوية. إنها الفرشاة الأخيرة التي تمنح لوحتك الفنية الإبداعية المكتوبة بالكلمات رونقها وجمالها.

لا تنس: رواية بدون تدقيق لغوي، أو تصحيح جيد، سوف تتلقى الكثير من الضربات القاتلة.

الكتابة: نوعٌ آخر من الخلود

لماذا نكتب؟

هذا سؤال مضنٍ، ويبدو من الغبن أن أتحدث هنا نيابة عن كل من كتبوا، وكأنى كنتُ معاصرًا لهم في حيواتهم، ومتشابكًا بأعصابهم ومشاعرهم؛ فأعرف جيدًا ما يدور هناك. من الأسهل أن أقول: نحن نكتب، ولكل كاتبٍ أسبابه ودوافعه، وأيًا كانت هي؛ فما يكتبه هو ما يشهد على طبيعته، وما يريده، مع رفع القبعة لنظرية الاحتمالات، وسيظلُّ الأمر لغزًا، مستعصيًا على الفهم من وجهة نظري، لكنى على الأقل يمكننى الكلام عن نفسي. 

 

لماذا أكتب؟

هذا سؤال مراوغ، وخبيث، ودافع للمرء لكى يتحدث عن الرسالة العظيمة التي يريد أن تصل للناس، وكأنى صرتُ بوذا، أو شخصية ملهمة ومثيرة بدأت من القاع، ووطدت مكانتها في عالم الكلمة بشقِّ الأنفس، لكن في الحقيقة الإجابة تبدو أبسط من ذلك بكثير.

أنا أكتب لأني أحب الكتابة. بمعني أدق: لأنى وقعتُ في غرام القراءة منذ سن مبكرة، بدءًا بروايات المؤسسة العربية الحديثة، حيث التهمتُ معظم سلاسلها بشغف، وقرأتها عدة مرات، ولديّ قائمة في عقلي بأفضل الروايات، وثمة أفكار رائعة تمَّ تناولها بعجل؛ مما جعلني أتحسر، وأتمنى لو كانت هناك طريقة لتناولها مجددًا بشكل مغاير وتفصيلي.

أتذكر أن شخصية السنيورا- سلسلة رجل المستحيل للدكتور نبيل فاروق- كانت من أبرز الشخصيات المثيرة لخيالي، وتشوقي لمعرفة اسمها الحقيقى. تخيلّ أنى ظللتُ سنوات أنتظر معرفة حقيقتها، ولأن الأمر كان مستفزًا، ومثيرًا للملل، قمتُ بكتابة رواية أكشف فيها عن شخصيتها الحقيقية. كنتُ مخطئًا في الواقع؛ إذ أن الشخصية كانت آخر من أتصوره، وأعتقد أن هذا من الأشياء الجيدة في الكاتب؛ ألا يكون متوقعًا.

لا أتذكر حقيقة الأسباب والبواعث الحقيقية لسيرى في طريق الكتابة. تراكمتْ الدوافع والأسباب بشكل غامض وبطيء على مدار سنوات طوال، وفى النهاية وجدتُ أننى أجيد هذا “الفعل”، ومن ثمَّ سيكون من العبث أن أبحث عن شيء آخر.

في حوار مع بول أوستر كان الرجل يتكلم عن حظه الحسن الذي يجعله يكتب ويتعيش مما يكتبه. يمكن تفهم هذا في العالم الغربي، حيث هناك احترامٌ كبيرٌ للكتّاب، وحفلات توقيع مزدهرة، ومبيعات بملايين الدولارات، وأفلام ومسلسلات يتم اقتباسها من الأعمال الناجحة.

الكتابة هناك فعل يمكن التعيش منه، والاتكاء عليه كليةً، لكن في عالمنا العربي: الأمر مختلف بشكل مؤسٍ ومخزٍ.

هناك صفوة الكُتَّاب الذين يتعيشون من كتاباتهم بالفعل، لكن نجيب محفوظ- مثلًا- كان يتحدث عن مصاعب الحياة، وأنه يعتمد على ما يأتيه من دفعات لنشر كتبه في لبنان وغيرها. لاحظ أن نجيب كان موظفًا حكوميًا، وكان يعتمد على وظيفته بشكل أساسي أيضًا، برغم أنه عمل ككاتب سيناريو أيضًا بجوار وظيفته الحكومية، وعمله الإبداعي كروائي وقاصّ.

الكتابة” فعل” مرهق. صحيح أنه ممتع، لكنه مرهق؛ لأنه يستهلك الكاتب، ويأخذ من أعصابه ودمه وتفكيره، ويحوله لخرقة بالية غير صالحة للاستخدام لفترة، قبل أن يشحن نفسه، ويعيد ضبط بوصلته ويبدأ من جديد.

من ضمن الأقوال الغريبة مثلًا عندما يملك أحدهم موهبة الكتابة، ونصيحة الأقرباء والأصدقاء له؛ بأن يعتمد على وظيفة ما، وأن يمارس هوايته هذه في أوقات الفراغ.

والحقيقة أنها نصيحة جيدة جدًا، ومنطقية، لكنها نصيحة مخيفة على الجانب الآخر؛ فهناك نوع من الاستخفاف بالكتابة، واعتبارها مهنة غير حقيقية، مجرد هواية، مثل جمع الطوابع، وأعواد الثقاب، وأنها تُمارس في أوقات الفراغ، على أساس أنها شيءٌ سهل، يمكنه فعله بأقل قدر ممكن من الجهد، وكأن الكاتب سيقدر على فعلها فعلًا. عندما يكون موظفًا، وهو ما يعني أن ثمة عدم فهم حقيقي للكتابة وأصحابها.

طبعًا هنا كتّاب يقدرون على فعلها، وأن يوفقوا بشكل ما بين وظيفتهم وإبداعهم، لكن النقطة المهمة هنا أن بعض القرّاء لا يحترمون كتّابهم.

يمكن معرفة هذا بوضوح عندما ترقب ردود فعل القرّاء مع الكتّاب، الذي يعلنون عن كتبهم الجديدة على صفحات الفيس بوك مثلًا. أحد القرّاء دخل على صفحة حسن الجندي- كاتب الرعب الشهير- وطلب نسخة PDF  من كتابه الجديد. متخيل؟!

بعض القرّاء يتعامل بنوع من التفضل على الكاتب، وأن من حسن حظه- من حُسْنِ حظِّ الكاتب وليس القاريء- أن هذا الأخير يقوم بقراءة ما يكتبه الأول، حتى لو كانت نسخة مقرصنة، رديئة!

في الكتاب السابع من سلسلة هاري بوتر” هاري بوتر ومقدسات الموت”، تمَّ شراء أكثر من مليون نسخة رقمية في أول ليلة من عرض الكتاب. منظر الطوابير التي تنتظر أمام متاجر الكتب، والتي تبيت ليلتها أحيانًا في العراء، حتى تحصل على النسخ الأولى من كتابها المفضل، تثير الغيظ والحسرة.

لكن الثقافة هنا مختلفة، والرؤية مختلفة.

نعود مرة أخرى لذات السؤال:

لماذا أكتب؟

كما قلتُ؛ من أجل أني أحب الكتابة. إنه من الرائع فعلًا أن تُشكل عوالمك التي تحبها على الورق. من الرائع أن تؤثر كتاباتكم على أحدهم، أن تزيد من مساحات أرض الجمال في العقول والقلوب. هذا ما تفعله الكتابة. إنها تحقق نوعًا من الخلود للكاتب، وتحقق نوعًا من طول العمر للقاريء؛ إذ أن ما يشعر به الكاتب، وما يخطه، وما يواجهه، وما يخلقه، تتم إضافته ومشاركته بشكل تلقائي مع القاريء، ويمكن معرفة المزيد عن هذا من خلال سلسلة المقالات الماتعة التي كتبها الفيلسوف زكي نجيب محمود في كتابه القيّم” قِيَم من التراث”.

ربما يحدث هذا الآن، أو بعد سنوات طويلة، وبعد أن يوارينا التراب، ربما في هذا الكوكب، أو في كواكب أخرى، أو فى عوالم أخرى.

وتقفز الآن لذهني صورة لأحفاد أحفاد الكاتب الإنجليزي الشهير تشارلز ديكنز، وهم يأخذون صورة فوتوغرافية مع تمثال جدهم الراحل.

لا أعرف أسماؤهم، لكنى أعرف جدهم جيدًا!

***

الكتابة: فعل وحيد عشوائيّ

في أحد أفلام مورجان فريمان يقول البطل بأنه يريد تغيير العالم، ويكون ردّ فريمان فيما معناه أن التغيير يأتي من فعل واحد، جيد، وعشوائي.

والمعني أن الأشياء الصغيرة هي التي تغير شكل العالم حقًا. هل يمكن أن ينطبق هذا على الكتابة؛ بمعنى أدق على القصة/ الرواية؟

فلنتفق أن الكتابة ليست فعلًا جيدًا في حدّ ذاته. هي مجرد أداة للتغيير، للأفضل، أو للأسوأ، مثلها مثل كل الأشياء في الواقع؛ سلاح ذو حدين، لكن الكتابة تمتاز بأنها” فعل عشوائي مغرق في الغموض والضبابية”.

في تحفة دستويفسكي الأخيرة”الإخوة كارامازوف”، نقع في إشكالية عن مرتكب الجريمة، وقاتل الأب. الإشكالية هنا أن أحد الإخوة لم يفعل شيئًا بيده، لكنه ساهم في الجريمة، من خلال بثّ سمومه وأفكاره، والتي أثرت بدورها على القاتل الحقيقى، وجعلته يفعلها!

قانونًا لن يُمسك عليه أحد شيئًا، لكن أخلاقيًا نعرف أنه مدان!

ما الذي تفعله الكلمات في البشر؟ كيف لأغنية رخيمة أن تهدهد من طفل باكٍ، وكيف لها أن تُهيّج أحزان عاشق، وكيف لها أن تعيد ذكرى من قبو الذكريات، فتبعث معها عشرات الصور المختزنة؟!

وما ينطبق هنا على الكلمة التي تقال، ينطبق على الكلمات التي تُطبع على الورق، تُحبس رغمًا عنها في قفص لن تخرج منه إلا عندما يتلوها أحدهم؛ فتنبعث فيها الحياة، وتبعث هي الحياة في أشخص آخرين!

وماذا عن التعاويذ السحرية؟ كيف لمدرسة هوجوورتس أن تُولد أصلًا، لو لم يوجد سحر، ولو لم توجد الكلمة، ولو لم توجد جوان رولينج؟

العمل الإبداعي(كفعل، واحد، عشوائي)، قادر على تغيير كيمياء المخّ، وهناك دراسات عديدة تؤكد تأثير الإبداع في المرء. نجيب محفوظ كان يقرأ روايات الجيب المترجمة، ونفس الحال لعالم الطبيعة العظيم ألبرت آينشتين. الأول حصل على نوبل في الآداب، والثاني حصل على نوبل في الفيزياء! وسنرى الكثير من النماذج، التي تأثرت بقراءتها للأدب، وكم من شخص تغيرت حياته، بسبب رواية، أو قصة.

هل السرّ يكمن في القصة نفسها، أو الرواية نفسها، أو القصيدة نفسها؟  أو حتى مجرد كتاب جاف. ربما الأمر يتعلق بالتوقيت المناسب فحسب. أبراهام لينكولن( إن لم تخني الذاكرة)، تغيرت حياته بالكامل عندما وجد كتابًا ملقى في برميل يتحدث عن القانون والمحاماة، وهذا الكتاب جعله يتغير، ولم يسأل نفسه إذا كان سيفعلها متأخرًا؛ إذ أنه قد بلغ الأربعين وقتها، وصار بعدها محرر العبيد، ورئيس الولايات المتحدة رقم 16!

وبرغم أن الكتب كلها تؤثر بشكل أو بآخر، لكن تظل للحكاية سحرها الخاص، المفعم بالروائح، والأحداث، والتفاصيل. يمكنك القول” أن الخير يصنع لصاحبه ملاذًا عندما تنغلق في وجهه الأبواب“. سنهزّ رؤوسنا موافقين، ثم ننسي الأمر كأن لم يكن. لكن عندما تُصاغ هذه المقولة في رواية ضافية، ملآنة بالتفاصيل، والناس، والتقلبات الدرامية المذهلة، نرتبط لا شعوريًا بهذا الكيان المكتوب بحرفية، ونجد أنفسنا هناك، نفرح كما يفرحون، ونحزن كما يحزنون، ونفاجأ أننا ارتبطنا بشكل وثيق بتلك الرواية، التي لامست فينا شيئًا ما.

العالم في مجمله وتفصيله قائم على القصة.

آلاف الروايات والقصص، والمسلسلات والأفلام والمسرحيات، والإعلانات التسويقية، وغيرها، التي تصدر كل عام، بكل لغات العالم، ترتكز على حكاية. على الكلمة.

الكتابة الإبداعية لا تخلق معني جديدًا، لكن ما تفعله هو أنها تكشف عن نفس المعني لكن بشكل مختلف، في سياق مختلف، مع بطل مختلف، والمرء في جوع لالتهام كل ما يقدر على التهامه، وكأن هذا هو غذاؤه الحقيقى.

هذا الفعل، الذي يُفعل عشوائيًا، على أيدي أناسٍ يحبون الكتابة، ألا يغيرون العالم في كل لحظة نعيشها؟

أترك لك إجابة هذا السؤال.

***

الكتابة: حين يكون النجاح تراكميًا

أثناء حضوري لندوة للكاتب العبقري د: أحمد خالد توفيق، سمعته يتكلم عن النجاح التراكمي. عندما أصدر سلسلة ما وراء الطبيعة؛ لم تحقق النجاح إلا بعد صدور بضع أعداد، ونفس الأمر ينطبق على مشروع روايات مصرية للجيب كله؛ فبعد صور الأعداد الأولى من سلاسل رجل المستحيل، وملف المستقبل والمكتب رقم 19 لم ينتبه أحد لصدورها؛ لدرجة أن ثمة شك قد خامر نبيل فاروق بأن الأمر غير مجدٍ، لكن حمدي مصطفي- الرائد العظيم، ومؤسس المشروع- طلب منه أن يواصل الكتابة، وألا يشغل نفسه بالانتشار، وبالفعل صدق حدس حمدي مصطفي، وانتشرت السلاسل من المحيط للخليج.

النجاح في كل شيء هو نجاح تراكمي.

قصة شبكة الفيسبوك، التي انطلقت من جامعة هارفارد، ثم إلى بقية المدن الأمريكية، ثم إلى العالم كله، هذا لم يحدث بين ليلة وضحاها. الأمر استغرق وقتًا.

تخيّل كرة ثلج، كرة صغيرة جدًا تهبط من فوق قمة جبل، وأثناء سقوطها تلتصق بها العديد من الحبيبات الثلجية، وفى كل متر تقطع الكرة لأسفل يزداد حجمها، حتى تتحول لكرة عظيمة هائلة.

النجاح في كل شيء متعلق بهذه التقنية: تقنية الوقت الذي يمرُّ، ومع الوقت يبدأ المرء في حصد البذور الذي نثرها في عمله. طبّق الأمر على كل مجالات الحياة، على الكتابة، التكنولوجيا، العلوم، الحب.

عندما تكتب؛ فلا تتوقع أن يلفت ما تكتبه الأنظار. تحتاج لوقت حتى تتقن ما تفعله، تجتاج لوقت حتى يصير لديك كمّ من المخطوطات، تحتاج لوقت حتى تستطيع اكتساب أسلوبك الخاص.

في التكنولوجيا؛ لابد أننا سمعنا عن أديسون، وكيف أنه يتكلم عن النجاح بأنه 99% مثابرة، و1% موهبة. المخترع العظيم الذي كان يستمر في إجراء التجارب دون توقف، حتى يصل إلى ما يريده.

تندهش من قدرة المستشرقين، وعلماء الاجتماع، والمخترعين، وغيرهم على قضاء سنوات طوال في نفس الشيء، يستجلونه من كل جوانبه، ويريدون معرفة كل ما يتعلق به.

أما عن الحب؛ فهو الشيء الوحيد الذي يتطلب منك أن تستمر في فعل” أشياء، صغيرة، عشوائية، جيدة”، حتى تثبت أنك تحب الطرف الآخر.

كل شيء يحتاج لوقت، ولصبر واستمرارية.

حتى في تعلمنا للأشياء، واكتساب مهارات جديدة نحتاج للوقت.

عندما سقطت القنبلة الذرية على اليابان، وسحقت الأخضر واليابس؛ ما الذي جعلها تنهض من كبوتها، وتصير اليابان التي نسمع عنها دومًا بصفتها كوكب اليابان الشقيق؟

الحقيقة أن الفضل يرجع في ذلك إلى تقنية” الكايزن”، وهى أن النجاح يأتى من فعل أشياء صغيرة على مدار فترة طويلة، وبالفعل تم التغيير في اليابان على مدار سنوات، وكانت هذه التقنية من الفاعلية والإنجاز؛ لدرجة أنها غيرت خريطة دولة بأكملها. هذه الأشياء الصغيرة هي التي تصنع النجاحات.

رجل فوضويَ؛ لو تعود كل يوم على وضع شيء في مكانه؛ فسيتحول إلى نموذج للتنظيم والدقة.

لو شخص غير نظيف، تعود على غسل ونظافة شيء كل يوم سيتحول بيته لآية في النظافة والبهاء!

لو قمتَ بكتابة 100 كلمة فقط كل يوم؛ فبعد انتهاء عام ستكتب رواية مكونة من 36,500 ، ولو كتبت 200 كلمة يوميًا، ستكتب رواية مكونة من 73 ألف كلمة بنهاية العام.

لو قام أحدهم بعمل تمرين بسيط لكي ينزل من كرشه كل يوم؛ فبعد أسابيع سيرى النتيجة، وبعد شهور سيتحول لبطل من أبطال الإغريق القدامي.

الفكرة قائمة على فعل أشياء صغيرة، لكن باستمرارية، ودون توقف.

وهذا ما يصنع النجاح.

فعل، واحد، عشوائي، بشكل مستمر، في الكتابة، أو في أي أي شيء آخر، هو الذي يصنع الإنجاز، والنجاح، وإحساسنا بأننا مهمون، وأننا بتصرفاتنا الصغيرة هذه نصنع لنا نوعًا من الخلود، يتناثر في محيط الأزمنة والأمكنة!

***

الكاتب العربي الذي باع 10000 نسخة إلكترونية

مرحبًا دكتور جواد.. يسعدني لقائك للمرة الثانية بعد مقابلتنا السابقة منذ خمس سنوات تقريبًا.

وأنا أيضًا أشعر بالسعادة والسرور لهذا اللقاء الثاني بيننا.

حدثني عن مسيرتك الأكاديمية. هل من جديد قد حدث في الخمس سنوات المنصرمة؟

ألقيتُ مجموعة من المحاضرات العلمية في عدة مدن عربية وعراقية وعالمية، وشاركت في العديد من المؤتمرات التخصصية  والعامة.

ماذا عن مسيرتك ككاتب أكاديمي؟ أقصد ما صدر لك من كتب في تلك الفترة؟

أصدرت كتابًا سياسيًا تحت عنوان: المسألة الشيعية: رؤية فرنسية، وكتاب إله الأديان وإله الأكوان، وكتاب كون مرئي وأكوان خفية، وكتاب إسلام بين خلافتين، ومتفرغ لترجمة الموسوعة الكونية رحلة في أعماق الكون المرئي من  50 جزءًا، والتي تتطلب جهدًا استثنائيًا ووقتًا كثيرًا؛ لأنها تحيط بموضوع الكون من كل جوانبه، من الألف إلى الياء.

والآن لنتحدث عن النشر الإلكتروني: أصدرت ثلاثة كتب على موقع إي- كتب، تتحدث فيهم عن الكون بشكل تفصيلي. اعطنا نبذة مختصرة ومشوقة عن الكتاب الأول: الكون؛ أصله ومصيره.

 

كانت تلك أول تجربة عملية للنشر الإلكتروني لكتاب علمي موجهة لعامة القراء، ولقد نجحت التجربة، وتمكنتْ دار النشر إي كتب الإلكترونية الرقمية من تسويقه وعمل دعاية وتعريف بالكتاب في وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، وغوغل، والكتاب يتحدث بأسلوب سهل خالٍ من المعادلات الرياضياتية المعقدة؛ فهو موجه لقراء من كافة المستويات، ويتحدث عن الأصل العلمي للكون المرئي، أو المنظور وبدايته، والنظريات التي تناولت ذلك الأصل أو البداية، ومن ثمَّ تتبع الكتاب كافة النظريات والآراء والأبحاث التي كُرِّستْ لمصير الكون المرئي بعد بضعة عقود من المليارات القادمة.

وماذا عن الكتاب الثاني: الكون الحي بين الفيزياء والميتافيزياء؟

تكررت التجربة مع الكتاب الثاني الكون الحي بين الفيزياء والميتافيزياء، ولقي استقبالًا جيدًا، وبيعت منه آلاف النسخ الإلكترونية، وتلقيت العديد من الرسائل والاستفسارات عنه، كما تناولته الكثير من المنتديات العلمية والثقافية لمناقشته بين أعضائها.

والكتاب الثالث: الكون المطلق؟

وكانت التجربة الثالثة لدى نفس دار النشر الإلكترونية غنية جدًا، حيث صدر عنها كتاب الكون المطلق بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر، وهو قفزة إضافية علمية أعمق واشمل للحديث عن نظرية فلكية فيزيائية جديدة تأتي بعد النسبية والميكانيك الكمومي، في مجال الكون ومكوناته وهندسته ومحتوياته.

هل من مشاريع جديدة مستقبلًا؟

انتهيتُ- كما قلت- من كتاب الواقع الظاهر والواقع الخفي في الكون المرئي، ولكن لم يُنشر بعد؛ لأن مراجعته تطلبت زمناً أطول، ومن ثمَّ استحدثت تطورات ومعلومات جديدة عن نظرية العوالم والأكوان المتعددة، وهو موضوع الكتاب، ونشرت كتاب: كون  مرئي وأكوان خفية، وهو كتاب ضخم من 750 صفحة على جزئين، ونُشر ورقيًا هذه المرة وليس إلكترونيًا؛ لأن دار النشر الإلكتروني إي كتب وعدتني بنشره منذ فترة، لكنه لم يصدر بعد إلكترونيًا لأسباب لا أعرفها. كما نُشر لي كتاب ورقي عن دار ميزبوتاميا في العراق تحت عنوان: إله الأديان وإله الأكوان، ورقيًا أيضًا، وأسعى إلى نشره إلكترونيًا قريبًا جدًا.

حدثني عن خلاصة تجربتك في النشر الإلكتروني، وقد صرتَ الآن من الروّاد الذين اقتحموا هذا العالم في وقت مبكر، واستمروا عليه أيضًا. ما الذي خرجتَ به من هذه التجربة، وهل تجدها تجربة رائعة ومشوقة، أم ماذا؟

أعتقد أن المستقبل هو للكتاب الرقمي الإلكتروني؛ فقد بات متوفرًا على كافة وسائل القراءة الإلكترونية؛ في الألواح والهواتف والكومبيوترات المحمولة الخ، حيث صار بالإمكان حمل مئات الكتب في مفتاح يو أس بي بسعات تخزين مختلفة ومتنوعة، أي التنقل بمعية مكتبة رقمية كاملة معك أينما تحل، وهذا تطور نوعي مهم للكتاب والباحثين بفضل التقدم التكنولوجي  في هذا المجال.

أرجو يا دكتور أن تعطينا أرقام دقيقة لمبيعات كتبك الإلكترونية على مدار السنوات الماضية. كم نسخة بعتَ من كل كتاب؟ سبب طلبي هذا أن النشر الورقي العربي عمومًا يحدث فيه تعتيم وعدم شفافية في عدد الطبعات، وعدد النسخ المباعة، على النقيض من الممكن رصد هذا بدقة في النشر الإلكتروني، وخاصة أن هذا قد يشجع الكثيرين من الكتّاب الجدد على خوض التجربة بحماس.

هناك عداد إلكتروني لدى دار النشر الإلكترونية، وموصول آنيًا لدى الكاتب والمؤلف الذي يتابع واقعيًا لحظة بلحظة مسيرة بيع كتابه، وما يتلقى من طلبات شراء من مختلف الجهات، والأرقام تزداد مع مرور الزمن، لكنها تكون على وتيرة متسارعة في الأيام الأولى لصدور الكتاب، وتستمر لعدة شهور، ثم يخفت إيقاع الطلبات، لكنه لن يتوقف، ويزداد مرة أخرى مع صدور كتب أخرى مكملة أو مواصلة لموضوعات الكتاب السابق؛ فتنطلق- من جديد- آلية شراء الكتب الثاني، والرغبة في الاطلاع على الكتاب السابق لمن فاته الاطلاع عليه، وتعرف على وجوده بفضل حملة تسويق الكتاب الثاني، وهكذا دواليك مع الكتاب الثالث والرابع، ولقد وصلت مبيعات كتبي الثلاثة الأولى إلى ما يربو على العشرة آلاف طلبية.

هل ترى أن النشر الإلكتروني اختلف عن آخر مرة تكلمنا فيها عام 2012؟ هل تجد أن ثمة تقدم؟

نعم في الغرب المتقدم والدول الصناعية المتطورة، لكنه بقي على إيقاع بطيء في العالم العربي؛ وذلك لعدم انتشار طريقة الشراء ببطاقات الاعتماد البنكية، ولعدم امتلاك الناس ناصية تكنولوجيا الانترنت ووسائل القراءة الإلكترونية، إلا لدى النخبة وميسوري الحال، ولم تعمم بعد في المدارس والجامعات والمنتديات الثقافية، كما هو الحال في العالم المتقدم، وهناك الرقابة التي تحظر وصول الكتاب حتى بصيغته الإلكترونية لجمهرة واسعة، وهناك آفة التهكير والقرصنة واللصوصية على حساب حقوق الناشر والمؤلف، حيث تُسرق آلاف الكتب وتوضع مجانًا على الشبكة العنكبوتية؛ مما يحرم الناشر والمؤلف من مصدر مالي مهم يحتاجونه لمواصلة عملهم الإبداعي؛ فهناك الكثير من المواقع التي تحول الكتب الورقية إلى كتب رقمية، وتسرق الكتب الرقمية وتجعلها مفتوحة بدون كود سري، وبدون رادع لمن هبَّ ودبَّ، مقابل حصول مواقعهم على الاعلانات مقابل خدمة توفير الكتب الرقمية  المجانية.

ما الذي تنصح به الكتّاب الذين يريدون ارتياد هذا العالم من واقع تجربتك الثرية؟

يمكن لكل كاتب أن يؤسس لنفسه دار نشر إلكترونية، ويتعامل مع المكتبات الرقمية والمنتديات لترويج وبيع كتابه  بنفسه إذا ما تمكن من عملية الإخراج الإلكتروني والتصميم؛ لأن الطباعة  الإلكترونية لا تكلف شيئًا بحد ذاتها على عكس الطباعة الورقية، وتكاليف الورق والمطابع، وحتى عمليات التسويق تتم رقميًا وإلكترونيًا من خلال الانترنت .

###

لمن يريد شراء نسخ إلكترونية من كتب الدكتور جواد بشارة، أو يحب التواصل معه:

بريده الإلكتروني:

jawadbashara@yahoo.fr

***